في فيلم «انتر سيكسون» لم يكن الممثل ريتشارد جير (أو غير، عذراً لا أعرف) محظوظاً. فبعد سنين من الزواج بشارون ستون تعرّف بلوليتا دافيدوفيتش منتقلاً من براثن امرأةٍ فاتنة إلى مخالب طولاء (على وزن حولاء وعرجاء). قد تكون هذه الممثّلة دافيدوفيتش فعلاً، وهذا من حقّها ويناسبها ويلائم تكاوينها الخشنة، ولكن من الصعب أن تكون لوليتا. اسم لوليتا يوحي بل يقتضي حجماً ناعماً وسنّاً مراهقة وإباحيّة في تقصير التنوّرة وغنجاً في أكل البوظة. ودافيدوفيتش هذه ماردٌ قاطع الأسنان ذات تجاعيد لا تشجّع على شيء من الحلمسة. وجير أكثر أنوثةٍ منها دون ريب، خاصّةً عندما يمشي ويترقوص. ولم يبدُ على فحولة إلّا في فيلم واحد، عندما قتل عشيق زوجته. وإنّما هي فحولة الإجرام، وهي غير محسوبة، وغالباً ما تخفي خنوثة أو مثليّة مقهورة أو عجزاً. تبيّن (لمن!؟) أنّ هتلر كان غير مكتمل الجهاز الجنسي. والإسكندر كان مثليّاً. ونابوليون كان يجتهد في تدبيج رسائل الشوق لزوجتيه وهما تخدعانه بمنتهى الأريحيّة.

أمّا نحن العرب فمن محظوراتنا اللاواعية التشكيك في فحولة رموزنا وأبطالنا. مَن يتجاسر على تخيُّل هارون الرشيد أو صلاح الدين ناقصين شيئاً ما؟ يولد العربي _ إلّا إذا كان أبا نوّاس وهو فارسي _ وشواربه تُناطح الجوزاء وصوته الجَهْوَريّ يخيف الذئاب ودونجوانيّته عابرة للحدود.
مشهدُ جير يقبّل دافيدوفيتش مزعج جداً. لا أجد في القبلة سوى تبادل الريق. لعلّ هذه العادة غير اللائقة بالنظافة تزول مع الوقت، ثم تزول عادة أشدّ حيوانيّة هي الارتماء كالثيران على المضاجعة. مجرّد حروف ضاد + جيم + عين تحكي عمّا فيها من ضباع. سيبدو هذا الكلام مستفظعاً، فالحياة قائمة على الرغبة والرغبة مصدر التناسل. لكن هذا لن يمنعني من القول إنّ الإفرازات المرافقة للرغبة كافية للتقزيز، والذبح الذي يمثّله افتضاض البكارة هو قمّة الوحشيّة. أنا مع الرغبة مع إيثار تصعيدها. إفراغها هو ككلّ إفراغ: التحاق بالموت. إنّ أفضل كتاب لميخائيل نعيمه هو «مذكّرات الأرقش» وأفضل ما فعله نيتشه هو أنّه نجا من لو أندرياس سالومي. ولو لم يكتب تولستوي إلّا مبشّراً بالعفّة في الزواج لكفاه. أعظم ما صنعته (أو توارثته) المسيحيّة عذريّة مريم، وأجمل ما فعله المسيح هو أنّه لم يعاشر امرأة، لا المجدليّة ولا سواها، وهذا ما لن يعرف اليهود الراحة قبل بذل المستحيل لتشويهه. ولعلّهم ذات يوم _ وبهمّةِ سَهَرِ الفاتيكان الغائب عن الوعي _ سيجرون في أحد أفلامهم «مقابلة شخصيّة» مع المسيح (كأنهم يجعلونه يتجلّى خصيصاً لإجرائها) يعترف لهم فيها بكل ما يريدون. ثم ينتقلون إلى أُمّه ويقولون بالبرهان الأكيد أنّها كانت في الواقع أُمّاً لثلاثة عشر صبيّاً وأنّ الإسخريوطي كان شقيقاً للناصري لم يرتوِ من حنان أمّه التي لطالما فضّلت يسوع، فحقد على أخيه وقرّر إهلاكه.
وهكذا يطلع الحقّ على مريم بنت عمران، والمأساة كلّها مأساة عائليّة، والذين عظّموها كانوا ارتاحوا وأراحوا لو أنّهم قرأوا فرويد على أيّام المسيح (ذلك أنّ فرويد كائنٌ قبل الوجود وهو الذي سلّم الخالق مفاتيح السماء والأرض والجحيم وعلّمه كيف يستعملها).
يمكن المرء أن يعجب بثابتة مؤكّدة عند اليهود هي الحقد. ولو لم يكن المسيح يهوديّاً لربّما حقدوا عليه أقلّ. ولو لم ينادِ بالمحبّة، أقل وأقلّ. لكنّه خانهم عندما حطّم جدران العنصريّة قائلاً لتلاميذه «اذهبوا وبشّروا في الأمم» وكسر العمود الفقري للعنف اليهودي العنصري عندما قال: «مَن ضربَكَ على خدّك الأيمن أدِرْ له الأيسر». الثأر دينهم والوحشيّة شريعة إلههم. كلّ تبشيرٍ بالغفران والرحمة إهانةٌ لتاريخهم. رائعةُ ألكسندر دوماس «الكونت دو مونتي كريستو» حكايةُ رجلٍ خانه أصدقاؤه وحطّموا حياته فأمضى خمس عشرة سنة في السجن وعندما استطاع الهرب قرّر الانتقام. انتقم. دمّرهم واحداً واحداً. وفي آخر الكتاب يستوقفه ضميره وتعضّه مرارةُ الندم. «ماذا أفدتُ من انتقامي؟ كان عليّ أن أصفح!». قبل سنوات أقدمت مخرجة فرنسيّة يهوديّة من آل دايان على نقل القصّة إلى فيلم وحذفت منها مشهد الندم على الانتقام. ظهر الفيلم تمجيداً صرفاً للحقد ومفاعيله.
لنعد من هذه السَحْبة الانتي يهوديّة (التي ستزعج العديد من قدامى اليسار العرب) إلى العفّة.

■ ■ ■


لم تَشِع للمتنبّي غراميّات جنسيّة، وحبّه لخولة أخت سيف الدولة الحمداني ظلّ طيّ الهمس إلى أن «طوى الجزيرة حتّى جاءني خبرٌ/ فَزِعْتُ فيه بآمالي إلى الكَذِبِ»، يوم ماتت وهو بعيدٌ عن حلب.
المجون لم يقلّل من شأن معلّقات امرئ القيس أخلاقيّاً لكنّه قلّل شعريّاً: هذا التفاخر بالفحولة يفوح بروائح الزنخ. أمّا عمر بن أبي ربيعة فقد أوقعته نرجسيّته في صميم الهبل. وكنت، لصداقة ربطتني به في أواخر الأيّام، ألوم نزار قبّاني على المقطع الشعري الذي يقول فيه: «وبنيتُ أهراماً من الحَلَماتِ». كان يقهقه وأنا أؤكّد له أنّ هذا الحكي يوحي أنّه جزّار مضى يُقطّعُ حلمات النساء ويراكمها بعضها فوق بعض ويُخزّنها في ثلّاجة ليخرجها عند ضرورات العرض. ومرّة عوقبت بما أنتقدُ غيري عليه. كنتُ قد نشرتُ على حلقات في إحدى المجلّات فصولاً تتحدّث عن مغامرات شاب وعلاقته بنساء، وصودفت زيارة إحسان عبد القدّوس ويوسف إدريس لبيروت، وكنّا نشرب القهوة على رصيف مقهى «الكافي دو لا بريس» في الحمرا، وفجأةً نظر إليّ عبد القدّوس شزراً وقال لي: «ما كنت تسيب لنا واحدة ولّا تنين من حريمك، يا شيخ!». وامتقع وجهي وانفجر يوسف إدريس ضاحكاً.

■ ■ ■


حتّى لا نقع في المبالغة الأبوكاليبتيّة وهي صنو اللاشيء، نحتكم إلى المنطق: كما أنّ هناك في العالم شبقين هناك شبقات، وكما أنّ هناك زوجات بالخلقة وأمّهات بالقَدَر هناك رجال لا يمكنهم المرور بالدنيا دون «بناء بيت». هؤلاء لا ينطبق عليهم كلامنا المجنون. وحتّى الآن هم الأكثريّة.
لهؤلاء نقول: لا بدّ. ولا يحمّل الله نَفْساً إلّا وسْعها.
وصيّة واحدة: أحسنوا التأمّل في تجانس طباعكم وتجانس أحجامكم وتجانس أصواتكم وتجانس روائحكم قبل الارتباط. ولا تخشوا صعوبة الاختيار، وحتّى استحالته. بالعكس، سيكون من شأنهما الحدّ من تضخّم السكّان. يبقى هذا أرحم من قيام الدول والشركات بإبادتهم تارةً عن طريق الحروب وطوراً الإفقار والأوبئة من أجل توفير أسباب الراحة لسكّان الدرجة الأولى.

■ ■ ■


مع ذلك يبقى غرور المعشاق من السطحيّة بحيث يبعث على التفكّه. أين منه غرور السلطوي والثري والكاتب. بعض رفاقي يمدّ يده للمصافحة كأنّه الله يعطيك أن تلمسه. ومع هذا يظلّ ألطف شأناً من الباطني الخبيث، فهذا يبتلع أفاعيه ليخرجها عليك حين تنام.


■ ■ ■


سيفاجأ البعض. في ما مضى من كتاباتي، الكثير من الإيروتيكيّات. هل نستطيع أن نعتبرها، هي ومواقف أخرى، من تشقلبات الرحلة؟ أكبر الظنّ. الدليل أنّ كتابَيَّ الأوّلَين، «لن» و«الرأس المقطوع»، ولا سيما الثاني، تغنّيا بالعفّة والكبت. واستهلال «الرأس المقطوع» دعوة إلى الاكتفاء الذاتي. أمّا «الرسولة...» فهو ما يعرفه قارئه من شفافيّة جاوزت الحواس، والأسئلة التي كانت تُوجَّه إليّ _ رحم الله يوسف الخال وأطال الله في عمر ياسين رفاعيّة _ إذا كان هناك على الأرض امرأة كالتي أتحدّث عنها أسئلة أعترف اليوم بأنّها كانت في محلّها. ليس هناك على الأرض شيء مماثل لما يصنعه خيال الشعراء.



تحتفظ بحقّ الردّ


تطغى مفردات الأماكن الدينيّة، في القدس ومكّة ودمشق والقاهرة، على اللغة السياسيّة. مَن ليس له علاقة بهذه الدينيّات مستبعد من المعركة. الحرب تبدو في السماء.
مع أنّ الغارة الإسرائيليّة على دمشق كانت فوق الأرض. طمأننا السيّد حسن نصر الله إلى كون «حزب الله» سيظلّ يتلقّى السلاح، والسلاح المتطوّر، من سوريا، كسراً للردع الإسرائيلي الذي أراد من الغارة منع دمشق من تغذية ترسانة «حزب الله» بالمزيد. لكنّ نصر الله لم يوضح لنا سبب هذا الفصل السوريالي بين مواقع تسليح الحزب في دمشق وضواحيها وبين دمشق نفسها وحكومتها وجيشها ورئيسها. كنّا نحسب أنّ بين المقاومة والممانعة خيطاً رفيعاً وإذا به جدارٌ سميك.
بالنسبة إلى جيلي ليس من جديد في بعث القوّة من الضعف والنصر من الهزيمة. ظلّ عبد الناصر فنّاناً في ذلك إلى أن بزّه بعثيّو سوريا. «خسرنا الأرض ولكن بقي النظام» كان يردّد ضبّاط البعث. الجولان غير مهمّ المهمّ صلاح جديد ثم حافظ الأسد.
أكبرُ الظنّ أنّ توضيح تل أبيب في اليوم التالي أنّ الضربة غير موجّهة ضدّ سوريا إنّما ضدّ مواقع لـ«حزب الله» أثلج الكثير من الصدور (التي لم تكن ملتهبة في أيّ حال) وتنفّس النظام العربي المتماسك، وأوّله النظام السوري، الصعداء وأطلق معزوفته الخالدة أنّه يحتفظ بحقّ الردّ في الوقت المناسب. وطبعاً كالعادة بواسطة اللبنانيّين وعلى أرضهم أو في بلدٍ أجنبي لا حول له ولا قوّة.
إنّها لسابقة في تاريخ «الصراع» العربي _ الإسرائيلي. كان الجيش السوري يحتلّ لبنان ويرسّخ فيه نظام التبعيّة والاستخبارات وإذا أقدمت إسرائيل على رشق الأرض السوريّة بحجر يلتفّ العرب حولها صارخين مهدّدين، ولا عبرةَ في القول _ وهو صحيح _ إنّ أحداً لم يكن يصدّقهم، ولكنّ الجلبة التي كانوا يحدثونها كانت تصنع نوعاً من الرغوة المعنويّة.
هذه الهالة سقطت. لم يسقطها الصراع المذهبي وحده ولا تمسّك النظام بالسلطة، بل أسقطتها بالتدريج المعزوفة الخالدة نفسها: سوريا تحتفظ بحقّ الردّ في الوقت المناسب.
لعلّ الوقت المناسب يحين بعد زوال إسرائيل لأسبابٍ مجهولة.