لم يتخلَّ محمد ملص (1945) عن السردية في أفلامه. المخرج الذي بدأت «سينما المؤلف» في سوريا بشريطه «أحلام المدينة» (1984)، ظل التأليف ــ بالمعنى الحرفي والمجازي ــ جزءاً من معجمه السينمائي الذي راهن فيه على الخصوبة التعبيرية والوجدانية التي تتحرك على حواف التاريخ والواقع والذاكرة. شغفُه بالسرد كتَّبهُ الرواية واليوميات، إلى جوار أفلامه. كأنّ الكتابة كانت فائض المادة البصرية، أو لعل السينما كانت خلاصة المادة السردية.


في الحالتين، ظل صاحب «الليل» مخلصاً لمزاجه التأملي والتعبيري في قراءة وتنفيذ سيناريوهات أعماله. مزاجٌ يُبطئ حركة الواقع أو يستبدلها بظلال شعرية تملأ الكادر البصري بالألوان والضوء والتفاصيل. فيلمه الجديد «سُلّم إلى دمشق» يعدنا بجولة أخرى من هذه الممارسات السردية والبصرية التي تكتب اللحظة الراهنة وتتأملها في آن واحد. كأنّها «أحلام المدينة» ذاتها، لكن في طبعة جديدة ومنقحة.
في البداية، سألناه عن الصمت الذي أحاط به «سلّم إلى دمشق»، فأجاب «أي صمت؟ أنا غارق في فيلمي الجديد! ولا صوت لي إلا صوتي السينمائي». قد تكون «الآه» لدى البعض، أبلغ وأشد وقعاً وتأثيراً من الكلام عن الواقع المؤلم والدموي الذي تعيشه سوريا منذ أكثر من عامين. لكن «الآه» التي زفرها ملص في بدء حوارنا معه؛ سبقها بأنّ «ما يحدث في بلدي اليوم من قتل وتدمير، يجعلك تشتهي أن تلتف على نفسك وتنسلّ إلى كيس بلاستيكي أسود يُرمى في حاوية من حاويات التاريخ. نحن مهمّشون الآن كما كنّا من قبل. كل يوم، تتمزق أجنحة الحمّام ذعراً قرب نافذتي هرباً من القصف والقذائف. تسيل الدماء في الشوارع وتفرّ روحي لتطرش جدران غرفتي بالعجز والعدم. هي المدينة ذاتها، وقد هربت عروقها ودماؤها وبقي لون الفشل الجاف. هذا اليوم هو كل يوم من أيامنا السورية. ولأنّ لا صوت لي إلا صوتي السينمائي، فقد انتفضت روحي وأمسكت سلماً سينمائياً؛ واشتهيت أن أصعد إلى قاع الكارثة التي نعيش».
محمد ملص الذي حلّ في بيروت لاستكمال العمليات الفنية الأخيرة لـ«سلم إلى دمشق»؛ التقته «الأخبار» قبل العودة إلى بيته وأهله في دمشق. كان يُفترض أن يكون الفيلم إحدى المحطات الرئيسية في هذا الحوار الذي أجرته «الأخبار» مع صاحب «باب المقام». لكن الطبقات المتعددة للزلزال الذي يعصف ببلده، أزاحت بوصلة اللقاء إلى الراهن المتفجّر. هكذا، تحوّل الحوار إلى شهادة وجدانية للتاريخ عما يحدث اليوم. يرفع ملص صوته متسائلاً: «وهل يحتاج التاريخ إلى مزيد من الشهادات عما يحدث؟!»، قبل أن يضيف: «لم أكن أتمنى لأحد أن يخرج من سوريا. مع تقديري لظروف وحق كل منا في ما فرض عليه في خياره، أنا باق في دمشق أعايشها يومياً؛ وأتمنى أن أموت فيها». حول فيلمه الجديد، يقول صاحب «أحلام المدينة»: «منذ اللحظة الأولى للانتفاضة؛ حاولت أن أعي وأدرك هذا الحدث المدهش والمفاجئ وطبيعة الرد القاسي عليه.
سعيت لمعرفة حقيقة ما يجري. السينما بالنسبة إليّ هي شهادة وموقف من اللحظة الزمنية التي يتم فيها تحقق أي فيلم وعلاقة هذا الفيلم بالواقع. عملي الجديد هو أولاً قراءة وجدانية لما يحدث اليوم في سوريا. مجمل الأفلام التي حققتها قبلاً هي شهادة للتاريخ، بمعزل عن الأحداث التي سبقت أو أعقبت لحظة إنجازها الأخيرة. و«سلم إلى دمشق» هو محاولة للسؤال المؤلم عن حالة الحصار والاختناق التي تعيشها الشخصيات الشابة في مجتمع سدّ كل طرق النمو والتخلق. طاقة مجتمعية محاصرة وملغاة نراها في الفيلم حبيسة جدران المنزل الذي تعيش فيه؛ لكنها تتلاشى خارج هذه الجدران. إنه هو السؤال ذاته الذي يقفز في كل عمل وحديث اليوم: ما الذي يحدث؟». لدى محمد ملص، مفهوم خاص حول علاقته الإبداعية بالمسار الذي يتطلبه العمل السينمائي، يختصرها بالقول: «نص السيناريو ليس مقدساً بالنسبة إليّ. هو وليد يتخلّق ويتطور أثناء عملية التصوير. المنهج الذي أتبعه يقوم على قدسية النص الوليد، سواء أكتبته منفرداً أم بمشاركة أحد. هو يبقى نصاً على الورق. لدى الانتقال إلى عملية التصوير، تنكسر قدسية النص ويصبح التصوير هو المقدس، ويتحوّل النص إلى بوصلة لا أكثر. هذا ما ينطبق على بقية العمليات الفنية الأخرى لاحقاً».

صعوبات التصوير

نسأله عن طبيعة الظروف والمشاهد الحياتية التراجيدية والمغرقة في الدموية التي كانت تحيط بالمناطق والمحافظات السورية التي شهدت مراحل تصوير العمل، فيجيب: «أعتقد أنّ السينما لا تلهث وراء الأحداث اليومية أو البعد الإخباري. هذا هو أيضاً طريق أي عمل ابداعي وأدبي. ظروف «الحرب» تضع تحقيق الفيلم أمام المزيد من الصعوبات. مخاطر المفاجآت واحتمالات التوقف في كل لحظة أمر ممكن. خلال التصوير، واجهنا الكثير من هذا، وربما واجهنا قلقاً ومخاوف أكبر. ربما يصعب تخيل تلك الطبقات من المخاوف التي عشناها. في الوقت الذي تشتعل في داخلك طاقة تصوير لحظة من الحب مثلاً؛ أو لقاء بين حبيبين؛ يتناهى إليك صوت القذائف المتساقطة على ضواحيك؛ وكثيراً ما كانت هذه الأصوات تقتحم قدرة الكاميرا في تلك اللحظة. لكنّك تتابع التصوير وأنت تعرف أين ستسقط هذه القذيفة وعلى مَن. وربما هذا الممثل أو تلك الممثلة التي تؤدي هذا المشهد، سيعيشان قلقهما مع المشهد الذي يؤديانه، ويفكران كيف سيصل كل منهما إلى بيته في واحدة من تلك الضواحي. لكنّ روحي المشتعلة وراء الكاميرا كانت تؤمن بعمق بأنّ ما يحدث اليوم في سوريا يكشف بشكل أساسي وعضوي؛ ما هو مخبأ داخل هذا المجتمع، ويشير بقوة إلى ما يعانيه من مصائب أساسية. ولأنّ السينما هي فن عابر للزمن؛ عليك أن تمسك بقوة روح تلك الحركة المجتمعية وعناصرها الحقيقية الكامنة».
يأخذنا الحديث مع صاحب «المنام» إلى بداية الأزمة والحرب السورية الراهنة. تبدو القراءة مشبعة بالحزن والغصة. لحظات فرضت علينا الصمت والكف عن طرح الأسئلة المعدة للحوار، والاستماع إلى كلمات خارجة من قلب يعتصره الوجع والألم. يقول «أعتقد أنّ للأحداث السورية بعدين: الأول تلخّصه الطريقة التي خرج بها الناس إلى الشوارع ليعبروا عن أنفسهم بعدما فقدوا القدرة على التحمل، فاكتشفوا أنفسهم مجدداً. البعد الآخر طرأ على الحراك بعد أشهر، ويلخّصه بتحوّل انتفاضة الشعبية بحثاً عن الكرامة، إلى صراع مسلح على السلطة متعدد الزوايا والطبقات. هذا ما شرّع الأبواب أمام جميع الطامحين، وجميع الأجندات الخارجية المتناقضة والمتلاقية عند نقطة الالتهام الكامل لسوريا. سوريا التي كانت مفخرة حقيقة وانسانية في بنيتها الداخلية وتنوعها الخصب» .
يتحرق السينمائي حسرة من التبدلات والانقلابات التي شهدتها الأحداث لاحقاً، مؤديةً إلى «تحول الناس الذين امتلكوا شجاعة وشهامة الانتفاض إلى ضحايا. غابت القدرة والوعي عند هذه الحركة الشعبية لوضع منهج وبرنامج سياسي يصون وجهتها. هذا الغياب وقع لدى الناس ولدى الطليعة السياسية والفكرية في البلد معاً. لم يعد لدينا الآن مكان أو زمان لترف اللوم. فقد سقطنا في قعر الكارثة. مذاق الخوف الذي ترعرعنا في داخله، قد انزاح أمام الإحساس الأكبر بالهول والبحث عن الخلاص من براثن كل هذه الشباك».

جنون المعارضة وقمع النظام

يرفض محمد ملص وضع كلّ قوى المعارضة السورية في سلة واحدة: هو يعرف أنّ «مجمل القامات السياسية المعارضة، سواء كانت داخل سوريا أم خارجها ذاقت الأمرين في ظل قمع النظام السوري خلال العقود الماضية. علينا الآن الإقرار بمسؤولية النظام في خلق هذه البيئة التي تضيّق على كل احتياجات الإنسان الحياتية والمعنوية والحقوقية والاقتصادية والفكرية من جهة، وعجز المعارضة في الداخل عن تلقف هذا الحراك واحتضانه وصوغ طرق عمله. هلّت علينا معارضة من الخارج بخرائط جنونية مسمومة؛ فاكتملت حلقة النار الشرسة وأسقطت الجميع في أتونها. غدا الحراك الأولي انتفاضة شعبية أضاعت أهدافها وأفكارها. افتقدت هذه الانتفاضة في مراحلها الأولى قامات ذات تراث نضالي متحررة من رد الفعل؛ وذات رؤية تعينها على وعي اللحظة التاريخية؛ وما يحيط بها من تربص؛ وتعي في الوقت نفسه جوهر النظام وقدرته الحقيقة. لكن اللحظة لم تبدع نواتها وسط تيارات بالجملة لم يحكمها إلا رد الفعل والإستناد إلى الماضي وثاراته وايديولوجيات تراثية مهترئة لا تشبه ولا تنتمي إلى الجيل الشاب المنتفض. بعد كل هذا الدمار والقتل والإعتقال والصمود؛ اقتيدت إلى اشتباك مجتمعي وأد هذه الانتفاضة، وسادت لغة الصراع على السلطة والنفوذ وتسديد الفواتير» .
يستهجن فكرة وضع مجمل أحداث الانتفاضة ثم الحرب التي تعيشها سوريا ضمن إطار المتوقع وغير المتوقع: «ما آلت إليه أحوالنا أسوأ بكثير من فرصة التوقع أو الرهان. فقد مادت الأرض من تحتنا وتحولنا من شعب إلى كومة حطب ليس لها من دور سوى أن تموت قتلاً أو صلباً أو كمداً أو أن تفر أو تهاجر. نحن نطارد يومياً من قبل الموت والخطف والسلب أو من الصدفة العمياء. وبين النفس والآخر؛ وبين الحائط والباب، نتابع مشاهد حياتنا ومصائرنا في كادرات سينمائية ومشاهد متقنة ومصنوعة بأحدث الطرق من دون أن ندري هل نحن خارج الشاشة أم داخلها. هل نحن داخل الحياة أم خارجها؟ هذا السيناريو أعد سلفاً ربما منذ أكثر من 10 سنوات. وسبق أن أعلن عن افتتاحه الصاخب في المنطقة كلها؛ والبدء بتنفيذه في المشهد العراقي... وبشّر مؤلفوه ومخرجوه المنطقة كلها بهذا المآل. أليست هي قصة موت معلن؟!».

فيلم عن الحرية والشباب

يعيدنا ملص إلى فيلمه «سلم إلى دمشق» الذي سيشارك في عدد من المهرجانات أولها «البندقية». في هذا العمل، يعطي الكلمة للجيل الشاب: «هذا الجيل المحاصر بكل الاحتياجات هو الذي اندفع كي يفتح الطريق، ثم تُرك للموت أو الهجرة أو الضياع. والسلم هو للصعود من الأقبية والزنازين لاكتشاف أنفسنا والتعبير عنها. هو ذاق طعم الخروج من هذه الأقبية حتى لو أدى ذلك إلى الموت. مجمل أحداث الفيلم تدور في بيت دمشقي قديم، يقطنه عدد من الشباب والشابات ينتمون إلى بيئات ومناطق مختلفة من سوريا. القاسم المشترك بينهم، هو احتياجات واحلام الشباب بالتغيير والتوق إلى الحرية». حين نسأله عن التحية التي وجّهها إلى صديقه عمر أميرلاي في الفيلم من خلال مشهد البداية الذي يظهر قبر المخرج السوري الراحل، يقول: «لقد فقدنا الكثير من الأصدقاء والأحباء من أبناء جيلنا الذين رحلوا قبل المحنة السورية، لكنهم تركوا تراثاً من المواقف والأعمال المبدعة معيناً لنا في لحظات كالتي نعيشها اليوم. المشهد ليس تحية لكل هؤلاء فقط؛ بل إنه تعبير عن ارتباطهم بهذا الجيل الذي ينتفض وافتقادهم بيننا».
قراءات استباقية مختلفة تناولتها الصحف والمواقع الإخبارية للفيلم المرتقب، باعتباره حدثاً يكسر حالة الركود الثقافية المسيطرة على الأوساط السورية. البعض حاول اسقاط أحداث وشخصيات الفيلم على أحداث الثمانينيات، والربط بينها وبين الحرب السورية المستمرة اليوم. يرد ملص: «سبق أن قلت إنّ هذا الفيلم ليس عن الماضي ولا عن المستقبل. حكاية التقمص التي تعيشها إحدى شخصيات الفيلم الرئيسية، ليس لها علاقة لا من قريب ولا من بعيد بأحداث الثمانينيات. الفيلم كما أطمح يذهب إلى مكان أبعد وأكثر عمقاً. حالة البوح الوجداني في هذا الحوار، تضعني أمام خمسة ملايين مواطن سوري هم خارج أماكنهم وبعيداً عن ذاكرتهم. سوريا التي أعشق مدمرة أمام أعداد كبيرة جداً من الشهداء والمفقودين والمعتقلين. أي عجز مطلق ذاك الذي يجعلك تشتهي أن تنهي أحد أفلامك؛ كما كنت قد أنهيت فيلمي «المهد» بذاك الشاب الذي يجول وحيداً في صحراء شاسعة؛ حاملاً سيفه وبصارع رمال هذه الصحراء، ويصرخ بعدما احتل العدو داره وأحرقها: أين يقيم الجسد حين يضيق فضاء الحبّ والكرامة؟ صباحات كثيرة تمرّ وأنا خلف نافذة بيتي أرى القصف ينهمر فتفرّ حمائم السطح مذعورة. أبقى وحيداً تلتف حول أنفاسي الأسئلة. لماذا صنعنا تلك الأفلام؟ أين تفر تلك المشاهد؟ كيف تحترق شرائط العمر دون رماد؟ أقسى أنواع الإحتراق أن تكون بلا أثر. كيف تكتنز سينمانا وكتبنا ولوحاتنا وأغانينا وأعمالنا بأفكار وأحلام وطرائق حب لتسقط أيامنا آخر العمر في شوارع القتل البدائي؟». يتمنّى ملص أن يكون العرض الأول لفيلمه في دمشق، لكنّه يستبعد ذلك ليس بسبب الأحداث الأمنية والحرب الدائرة هناك فحسب، بل «بسبب عقلية الرقابة. لا أظن أنها تغيّرت في التعامل مع أي منتج سينمائي أو ثقافي قبل أو بعد الأحداث السورية». بعد انتهاء العمليات الفنية لـ «سلم إلى دمشق»، عاد ملص إلى دمشق تأكيداً منه لرفضه فكرة الهجرة ومغادرة البلد. الحرب المستعرة لم تمنع السينمائي من التفكير في صناعة فيلم جديد بدأ التحضير له بعنوان «ليت للبراق عيناً». يتحدث عن فكرته بالقول إنّ «الخوف والرعب يجعل التاريخ لا يبتلع أفكارك وعواطفك وأفعالك فقط، بل يبتلع أيضاً الوقت وإيقاع الحياة. تغدو إنساناً أشبه بمن داس عليه التاريخ تمهيداً لأكله». في تفكيره بمشروعه المقبل، يتذكر عبارة تقولها سيمون دو بوفوار: «فجأة انهال علي التاريخ، فتشظّيت» ويقول: «بعدما تشظينا، نحن اليوم في انتظار أن نؤكل، ويبتلعنا التاريخ. إني أجد نفسي أقول: ليت للبراق عيناً، لترى».




لحظة هاربة في الحوار


أنا ابن رجل سوري متمرّد. قضى ستين عاماً من عمره يمتطي حصاناً يجول به في سوريا كلها. لم يكن لديه إلا عيناه وصمته و«تنكة» العرق. وعندما خاب، اختار القنيطرة، فجاء إليها وتزوج. لقد أخذه الموت قبل أن أعي لأسأله:
عمّن كنتَ تبحث لدى معاصريك يا أبي؟
هل كنت تبحث عن عبد الرحمن الكواكبي؟
أم عن يوسف العظمة؟
أم عن أبو خليل القباني ؟
في القنيطرة لم يجد أمامه إلا الجدار ليصارعه في غضبه على تلك العسكريتاريا في إنقلابها الأول، فأمسك العسكري برأسه وضربه بمقدمة السيارة العسكرية، وصرخ في وجهه:
والله لنسيك حليب أمك!



من أوراقه الشخصية

* تبدو لي هذه الانتفاضة مرآة صافية وعميقة وبانورامية إلى تلك الحدود التي لا يمكن لغيرها أبداً أن تكشفها. لقد وضعتنا أمام أنفسنا بدرجة تمكّننا من أن نكتشف ذاتنا الحقيقية والعميقة، وإدراك ما نحن عليه على كل الصعد. ربما علينا اليوم أن نعي آثام التراث وذاك الخواء، والوعي المتداعي والمتناثر، وتفكك الادعاءات التاريخية عن أنفسنا. لقد فاحت رائحة هذا المستنقع العفن. الشهامة والبطولة والإصرار الذي قدمه شعب سوريا يحتاج بإلحاح كبير إلى طليعة تختلف كلياً عما بدا حتى اليوم.
* أنا العروبي الذي عاش صباه مع حلم تحقق الوحدة العربية وتحرير فلسطين، أحس اليوم بالتعاطف والرغبة في فهم أعمق لشخصية تاريخية لم يتح الإعدام السريع لها أن تبقى، فأعدمت، وكان إعدامها الإثم الأول لعسكريتاريا ذاك الزمن المبتذل؛ هذه الشخصية هي أنطون سعادة.