الإعلام اللبناني في مواجهة شريعة الغاب مجدداً، لكنّ الأسباب ليست سياسية هذه المرة. بأسلوب الميليشيات، اعتدت مجموعة من «القبضايات» على الصحافي والمدوّن اللبناني حبيب بطّاح وأجبروه على مسح صور التقطها بهاتفه الذكي. والسبب؟ تجرّأ المواطن اللبناني المعني بالكتابة عن الآثار والتراث والمباني القديمة على الاقتراب لتصوير آثار داخل مشروع District S بالقرب من ساحة الشهداء.


ورغم أنّ بطّاح تعرّض لمضايقات عدة على أيدي عناصر من أحزاب لبنانية معروفة، إلّا أنّ هذه كانت «الأكثر وحشية على الإطلاق»، وفق ما قال لـ«الأخبار»، مؤكداً أنّهم «كانوا جاهزين لفعل أي شيء في سبيل منعي من الاقتراب ولو قليلاً من الآثار». وسأل: «إذا كانت كل الأعمال في الموقع طبيعية فلماذا الخوف إذاً؟». في إطار جولاته المعتادة على المواقع الأثرية اللبنانية، زار بطّاح أوّل من أمس وسط العاصمة للاطلاع على المزيد منها «قبل تدميرها»، فما كان من بعض الرجال الموجودين في District S إلّا أن حاولوا منعه من الاقتراب، لكن سرعان ما رضخوا بسبب إصراره. وما إن ظهرت الآثار أمامه، حتى التقط الصحافي اللبناني لها صورتين بسرعة فائقة. دفع بطّاح ضريبة خطوته هذه اعتداءً صريحاً من قبل خمسة أشخاص أحاطوا به من كل الاتجاهات، بعدما طلبوا منه مسح كل الصور عن هاتفه قائلين له: «يمكن إنت جاسوس»، كما انهالوا عليه بالشتائم وعنّفوه جسدياً حتّى «كادوا يكسروا ضلوعي». في تلك اللحظة، شعر بطّاح «بأنّي صفر»، وخصوصاً أنّه احتجز في مكان «لا يستطيع أحد إيجادي فيه أو سماعي». مشهد الـ«آكشن» استمر إلى أن أمرهم شخص بهيئة boss بالتوقّف. رغم أنّ بطّاح لا يعرف هويّة المعتدين عليه، أكد أنّه كان بينهم أشخاص تابعون للمتعهدين ولـ«المديرية العامة للآثار»، مطالباً المسؤولين بتفسير ما حدث. وأوضح أنّ من حق اللبنانيين التعرّف إلى تاريخهم «الذي ليس ملكاً خاصّاً» والمحافظة عليه ومعرفة مصيره ويجب «فعل كل ما يلزم من أجل تحقيق هذه الغاية».
يبدو أنّ ما قاله الصحافي الذي تعاون مع «الجزيرة» و«سي. أن. أن.» و«بي. بي. سي.» في مقال نشره على مدوّنته (beirut report) أخيراً صحيح: لا بد أنّ العمّال والمشرفين على District S يكذبون. ما رآه بطّاح ليس إلا جزءاً بسيطاً من الآثار الموجودة في ذلك الموقع، وهو ما تؤكده صورة نشرتها صفحة stop destroying your heritage الفايسبوكية قبل أسبوعين. وكانت «المديرية العامة للآثار» قد وافقت على إزالة بقعة صغيرة من الآثار المتبقية داخل المشروع الذي يمتد على مساحة 13 ألف متر مربّع. وينتقد المناهضون لقرار رفع الآثار القرارات التي يمرّرها وزير الثقافة في حكومة تصريف الأعمال غابي ليّون، ومن بينها القرار السابق ذكره، علماً بأنّ الآثاري المشرف على الموقع رافي جرجيان طالب بالمحافظة على الآثار المتبقية فيه، فيما وافقت زميلته الموكلة أعمال الحفر منذ أربع سنوات منتهى صاغية على نقل جميع الآثار المتبقية إلى مستودع المديرية، مع تعهّد المالكين بإعادة دمجها ضمن المساحات الخضراء داخل المشروع.