يعود "هاوس أوف كاردز" (بيت من ورق) الدراما السياسية الهائلة التي صنعت نجاح فكرة "نيتفليكس" وخدمات الاشتراك بالفيديو عبر الإنترنت. يعود مرة جديدةً إلى جمهوره الواسع على "نيتفليكس" حصرياً في موسم رابع اعتباراً من الرابع من آذار (مارس) الحالي. تصوّر قصة المسلسل الحياة السياسية وراء الكواليس في واشنطن العاصمة وفي البيت الأبيض نفسه بعد أن تصعد شخصية فرانك أندروود ـــ زعيم الأغلبية في مجلس النواب (يلعبها باقتدار قل مثيله النجم كيفين سبيسي) ــــ إلى قمة هرم السلطة في النظام الأميركي وتتولى منصب الرئيس بعد مغامرات ميكافيليية ومؤمرات شيطانية.
تساءل كثيرون عن سرّ نجاح "هاوس أوف كاردز" الباهر جماهيرياً، رغم أنّ خبرة هوليوود تشير إلى نجاحات جزئية وفي قطاعات محددة من أوساط الجمهور عند تقديم أعمال تتعاطى الشأن السياسي مباشرة، وهي فشلت في كل مرة في المس بأي من مقدسات واشنطن، واكتفت بالسخرية من كل الأطراف بالتساوي. فما هو الجديد الذي يقدمه "هاوس أوف كاردز" على مستوى الطرح لكي يتفوق على كل عمل سابق ويتحول إلى عمل درامي - ظاهرة؟
هنالك أشياء كثيرة بالطبع. المسلسل المقتبس عن عمل بريطاني سابق في التسعينيات من القرن الماضي بالاسم نفسه (قدمه أندرو ديفيس على "بي. بي. سي" في أربعة أجزاء) المستوحى بدوره من رواية لمايكل دوب، كان يمكن أن ينتهي إلى أن يكون مجرد مسلسل آخر معتدل النجاح، لولا أن توقيته كان - بقصد أو بدون قصد - عبقرياً في تماهيه مع الأجواء السياسية المحمومة التي تعصف فعلاً بالمشهد السياسي الأميركي في السنوات الأخيرة. لقد قدم المنتج ديفيد فينتشر دراما سوداء لشخصيات بدت شديدة الواقعية سمتها التعطش للسلطة، وتدخل في صراعات لا حدود لها على مواقع السيطرة والنفوذ في نظام سياسي شديد التعقيد. يبدو أنّ هذا ما أعطى تفسيراً مقنعاً وشديد البساطة لسحر العمل السياسي وراء الكواليس في عاصمة الإمبراطورية بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الجمهور. قصة الرئيس أندروود في المسلسل تبدو كأنها سيرة رئيس من التاريخ الأميركي المعاصر، وأجواء واشنطن هنا شديدة التطابق مع ما يمكن جداً أن يكون أحداثاً واقعية كمدينة كل سكانها وجوه عابرة في مراحل عابرة.
لقد نجح واضع النص بو ويلليمون في كتابة أربعة مواسم، قدمت تصوراً جديداً متكاملاً للمرة الأولى عن كيفية صناعة السياسة في عاصمة الإمبراطورية. هو يقدم لنا حقيقة تقاسم السلطات في المنظومة السياسية الأميركية، حيث الرئيس نفسه لا يمتلك كل الأوراق لاتخاذ القرارات الحاسمة، فهو بحاجة دوماً الى إرضاء نطاق عريض من مراكز القوى حتى للحفاظ على موقعه (دعك من التفكير في تبني سياسات عامة)، وهذا تماماً ما تقصّده المشرعون الأميركيون حين كتبوا دستور الولايات المتحدة، مستهدفين تفتيت القوى لمنع استئثار أي طرف في اتخاذ القرارات. هكذا رأينا الرئيس فرانك أندروود مصاباً بإحباط وخيبة أمل من حقيقة الكرسي- الرمز بعدما خاض ملحمة صعود هائلة استهلك فيها طاقته وحياته، وكثيراً من الضحايا من الأصدقاء والأعداء على حد سواء، آخرهم قد تكون السيدة الأولى ذاتها شريكته الأقرب في حروب الظلام.
بو ويلليمون لم يكتف بتقديم واشنطن كمدينة يحركها المال، وهي الصورة التقليدية التي قدمتها هوليوود التي تعفي بالطبع من محاولة مناقشة القضايا الأيديولوجية الأعمق. كما أنه لم يدن السياسة بوصفها نشاطاً ضاراً وتعطيلاً للحلم الأميركي الجميل بالدولة الحرة العادلة، وهذا تسطيح سقطت فيه هوليوود أيضاً. في "هاوس أوف كاردز"، تبدأ القصة بثيمة متشائمة لكنها شديدة السطوع: واشنطن نفسها بوصفها وجه المؤسسة الأميركية الحاكمة، هي الشرّ مجسداً، من دون الحاجة إلى التعامي عن الحقيقة باستجلاب الضغوط المالية أو الصراعات الحزبية كتفسير للأحداث. بمجرد دخولك في هذه الماكينة الهائلة ذات الواجهات الزجاجية العديمة الوجه، تتحول إلى جزء من مصنع الرعب والفساد والطغيان: مجموعة من الفاسدين يتقاتلون للإفادة من الديمقراطية لخدمة الطغيان. واشنطن هنا، إمبراطورٌ طاغيةٌ فاسد.

دراما سوداء لشخصيات شديدة الواقعية سمتها التعطش للسلطة والسيطرة والنفوذ
هذا ليس بالطبع مبالغات درامية محضة، بل إن كل تفاصيل الصراع داخل المؤسسة - كما تجرى وفق أحداث المسلسل - هي ذاتها التي نسمع عنها في الصحف، وتتسرب في فضائح مدوية أحياناً: مونيكا لوينسكي، ووترغيت، اغتيال كنيدي، مقتل محامي كلينتون، فضيحة البريد الإلكتروني لهيلاري كلينتون... عند هذا الإمبراطور الفاسد، تصبح القضايا العامة - وهذا ملمح عبقري آخر من ويلليمون - كقضية البطالة أو الإضرابات العامة أو خطط التعليم أو السياسة النووية للحكومة أو حتى يوغوسلافيا السابقة أو الضفة الغربية مجرد أوراق ضمن بقية الأوراق في اللعبة الكبرى على النفوذ. وهذا فعلاً ما يحصل في العاصمة: بينما عارض كثير من النواب الديمقراطيين سياسات الرئيس جورج بوش، ترى النواب أنفسهم يدعمون السياسات نفسها في عهد الرئيس أوباما. ليس هنالك ايديولوجيا، بل مسرح صراع بقاء أسود، وهو ما أثبتته الدراسات العلمية فعلاً، إذ تبدو الأحزاب السياسية في النظام الديمقراطي الأميركي شديدة السيولة والتقلب، وليس لديها أي تصورات ثابتة حول إدارة الشأن العام. وبدلاً من تأسيس أفكار ومحاولة كسب التأييد الشعبي لها، ينتهي الأمر بوضع أفكار تحظى بالقبول أصلاً، ومن ثم الإفادة منها للوصول إلى مراكز السلطة وصنع القرار.
ويلليمون لا يكتفي بتقديم متعطشي السلطة على حقيقتهم فحسب، بل يقدم لنا أيضاً الصحافة الأميركية والشركات الكبرى ومجموعات الضغط المختلفة واللوبيات بوصفها جزءاً لا يتجزأ من تركيبة واشنطن المعقدة: تقاطع هذه جميعاً مع شبق النفوذ، هو ما ينتج لنا السياسة الأميركية المعاصرة.
وعلى الرغم من هذا النقد الشديد القسوة للديمقراطية الأميركية، فإن ويلليمون لا يقدم إلينا أي إشارة عن أي بديل ممكن، أقله حتى الآن. وإذا لم تظهر في الموسم الرابع، فربما هي لن تظهر أبداً لأنه قد أعلن أنه تنحى عن كتابة المسلسل، وهكذا يسقط في يد المواطن العادي، إذ أنّ أفضل خياراته المتاحة يبقى في النهاية وحشاً يرتدي بدلة باذخة اسمه فرانك أندروود أو غيره من الزعماء من دون أي أمل يذكر بالتغيير.
وكما كان التوقيت أفضل عوامل نجاح "هاوس أوف كاردز" في مواسمه الأولى، فإن التحدي الأكبر للمسلسل في موسمه الرابع هو أيضاً التوقيت. الموسم الذي سيفتتح في الرابع من آذار، ينطلق وسط الحملات الانتخابية لتحضيرات الانتخابات الرئاسية الأميركية. وهذه المرة ربما أكثر من أي وقت مضى، تتلون هذه الانتخابات باستقطابات شديدة بين مرشحين من داخل المؤسسة السياسية الحاكمة، وآخرين مستقلين نجحوا إلى حد بعيد في إضافة إثارة مختلفة عن أي انتخابات سابقة، حتى لتبدو اللعبة أشبه باستعراض على شاكلة تلفزيون الواقع. فعلى فرانك أندروود إذن أن يتنافس على استقطاب الجمهور الأميركي لمشاهدة كواليس انتخابية قد تكون الوقائع اليومية لا تقل عنها إثارة وتشويقاً، لا سيما أنّ الموسم الثالث انتهى إلى تراجع في قوة التشويق بعد تولي أندروود منصب الرئاسة، وبالتالي تقلّص المساحة لصراعات الصعود، وايضاً نتيجة المحاولة غير المقنعة أبداً لإعادة تعليب السيدة الأولى كلير (النجمة روبن رايت) التي تبدو شخصيةً شكسبيريةً أنثويةً شديدة الدهاء - أشبه بالليدي ماكبث بصورتها الأقسى ــ ومحاولة تقديمها على أنّها لا تزال تمتلك ضميراً حيّاً.
ينطلق الموسم الرابع والرئيس أندروود يدافع عن بقائه في سدة الحكم، لكن حربه الأساسية لن تكون داخل الحزب فحسب، بل أيضاً داخل قلعته: إذ تخلت عنه كلير - السيدة الأولى، بعد ثلاثة مواسم من تحالف عجائبي لثنائي مخلوقات سياسية بحت ترقص على حدود النار في عاصمة الظلام، وأيضاً أشباح عائدة من ماضيه المظلم، إضافة إلى تحديات المنصب التقليدية في إدارة الدولة العظمى في العالم بوصفه زعيم العالم (الحر) أيضاً. كل ذلك، مضافاً إليه الأداء المتألق دائماً لكيفين سبيسي قد يساعد (هاوس أوف كاردز) في استعادة ثقة جمهوره ومنافسة تقلبات الأقدار في تلفزيون الواقع الشديد الواقعية: الانتخابات الأميركية.

* مستشار في إدارة الأعمال وعلاقات الشرق ــ الغرب ـــ لندن