ليست السياسة وحدها التي تغيّر مصر الآن. الفن والكتابة يلعبان الدور الأكبر نفسه. المتأمل في المشهد الأدبي المصري يدهشه ما فيه من تغييرات نوعية تؤكد أنّ الكتابة هي الربيع الحقيقي الذي ينبغي أن نبشر به. بعد جيل التسعينيات الأدبي الذي ربط مشروعه بتعبير كتابة «الجسد» الذي صار الآن من بين أكثر «كليشهات الأدب» استخداماً وأكثرها إثارة للسخرية، جاءت وجوه جديدة أزعجها التكريس الكامل لجيل التسعينيات الذي أصبح حاضراً بقوة في شبكات الزهو ودوائر الجوائز. جيل أدى دوره بكفاءة، وعلى أصحابه أن يقفوا في الشرفة لتأمل اللاعبين الجدد الذين يمسكون بالكرة الآن.


لدى هؤلاء ما يمكن قوله بعيداً عن وصفة التسعينيات التي قاومت السرديات الكبرى، ورفضت التبشير بالأدوار الاستثنائية التي يمكن للكاتب أن يلعبها مكتفياً بحصر العلاقة مع العالم في حدود الجسد وتأويلاته. ومن المفارقات أنّ متمردي التسعينيات صاروا في منزلة الآباء، لا يملكون سوى تقديم حكايات عما أنجزوه في مطبوعاتهم التي صارت جزءاً من التاريخ. فالكتابة الأخرى والجراد والفعل الشعري و«الاربعائيون»، مجلة لا وجود لها على الطاولة أو أرفف المكتبات لانها تقبع في ذاكرة مثقلة بتراب كثيف. إنّها أيقونة التراث الذي لم يعد يشغل أحداً. لكن السؤال: ما الذي يمكن لجيل محاصر بالفوضى ولحى الاسلاميين أن يقوله وما علاقته باللغة وتصوراته عن الكتابة؟
في هذا الملف، تحضر أصوات طازجة. جاء أغلبها من فضاء التدوين. تحررت هذه الأصوات من الذوات الجريحة وقبلوا فكرة الكتابة في ورشات جماعية. لديهم جميعاً الاحساس بخفة الكتابة، بأهمية ممارساتها كلعبة في ملعب مفتوح، يستمد قوانينه من قوة التواصل مع الآخرين.
الكتابة كما يشير هؤلاء متعة وليست وظيفة. والعلاقة مع القارىء تتأسس عبر الوسائط الجديدة. وبرهان مختلف مع دور تواصل المهمة التي لعبتها (دار ميريت ودار شرقيات) مع جيل التسعينيات. لكن هذا الجيل أكثر حماساً للتورط في لعبة التكريس. الحديث عن العزلة لا محل له من الاعراب في ظل العولمة حيث الكتابة جزء من ممارسة ثقافية شاملة والجوائز تغري الجميع بدخول السباق، وأرقام التوزيع التي يحققها هؤلاء تؤكد صحة الرهان. الأدب الذي يكتبه هؤلاء في تجاور مع وسائط جديدة مثل «الكوميكس» إشارة الى خيال جديد، لم يعد منشغلاً بفكرة قتل الأب التي كانت مركزية في مقولات الأجيال السابقة كما لم يعد مرعوباً من فكرة الاستبداد أو يرغب في ازاحة السياسة عن فضاء عمله بل صار نهماً لفكرة التهام السلطة أياً كان مصدرها.
إنّه جيل لا يرى في الكتابة صورة من صور الفضيلة، بل العكس. يراها فرصة لدخول مرايا النار




أميرة الأدهم *

بدأت الكتابة معي كهاجس لمعالجة مشاكل الحياة اليومية. أول خطوة كانت التعليق على ما يحدث في الحياة على شكل تفريغ أو تهكّم، أو ما يمكن اعتباره مقال رأي. مع دخولي الفايسبوك عام 2010، عرفت القارئ، والكاتب، والقارئ الكاتب، ومعنى أن يخرج لك نصٌ إلى العالم. الإنترنت في جيلي جعل الأمور بسيطة وسلسة، كأن يصل ما تريد قوله بكبسة. لا أجد في ذلك كليشيه. جوعنا لكتاب ورقي مختوم من دار نشر وموزع في المكتبات هو الكليشيه الذي تدور فيه الأجيال كلّها. في المجمل: «النوتس» في بروفايلي، اعتبرتها دار نشر. وحتى الآن أسجل فيها نصوصي أولاً بأول. لم آبه بأي آلية لأنّ ما يديم الكتابة هو الحياة، ولا يستطيع نقد أو نسبة مبيعات أن تتحكم بذلك طالما نحن على قيدها. مع الوقت، ظهر لي عاملون في مجال الكتابة والنشر من خلال الفايسبوك، وتحمّست للنشر الورقي، فجمّعت ديواناً وأرسلته إلى «دار ميريت» وتمت الموافقة عليه.
أما عن الأجيال السابقة، فهناك الكثير من الأسماء القديرة والمتحققة أدبياً موجودة معنا في الدائرة نفسها على الإنترنت. أعتبر نفسي محظوظة بمعرفة فريد أبو سعدة، حمدي أبو جليل، عبد الحكم سليمان، عادل أسعد الميري، مكاوي سعيد، وغيرهم من الأدباء الذين يقرأون للجميع، ويرحّبون بالجميع. أعتقد أنّ الكلّ محظوظ بفرض حريته والمساحة التي يتحرك فيها، مهما كانت القيود، وخصوصاً أنّنا حصدنا نتاج حروب آخرين مع القمع، وبشكل أو بآخر هذا زمن تحطيم السلطات والحواجز. من القصة إلى قصيدة النثر، إلى الرواية إلى قصيدة النثر، لم يعد يهمني نوع ما أكتبه، عدا اهتمامي بفنيات كل منها والاستمتاع بها.
الاستمرار لاحقاً، لم يكن مرتبطاً أصلاً بشكل أو بظهور أو بنتيجة: الكتابة ترتبط بنفسها... بالحياة.
* شاعرة من أعمالها ديوان «تفقد عذريتها على مهل» (دار ميريت ــ 2013)






أحمد الفخراني*

قطعاً، هناك طريق آمن للكتابة. طريق بأقل قدر من المخاطر، محفوف بالثناء المضمون، هل خضت فيه؟ نعم قليلاً. استمعت إلى التصفيق الحاد والممتع، ثم قذفت المصفقين بالحجارة والطماطم وصفافير الاستهجان، ثم عرجت في طريقي. القارئ يعمل سجاناً للكاتب في المساء. لا يمكن إنكار هذا.
الطريق الآمن كان أقل مرحاً. يحتفى بمنتظري المخلص المنتظر والكاتب المثال. يعتقد رواد الطريق الآمن أن الكاتب المثال، لم يمت، لكنه صعد. سيعود روحاً متلبسة فيهم، وحتى تحدث المعجزة، سيبذلون كل شيء لإيقاف الزمن، لتكذيب الطرق. الكتابة هناك،خارج الطرق الآمنة. المرح؟ هل أكتب فقط من أجل المرح؟ ومن أجل الشهوة أيضاً. اقتراف الذنب بكسر تصوّر مسبق عن الكتابة، والوقيعة بين شخص وبين تصوره الآمن عن العالم. إنها أشياء لطيفة وتدفعك دفعاً للكتابة. الشهوة دافع مقنع، تكدير الصفو الاجتماعي أيضاً، السلم العام... إنّها وقود ملائم لاقتراف فعل وقح كالكتابة. التفاهة حقيقية أكثر من العظمة. العظمة وهم في مخيلة كاتب رديء. لا أحتقر القراء تماماً، لكن عليك التخلص منهم بانتظام. لو فكرت فيهم، لاستنسخت حيواناتهم المنوية. لن تصير كاتباً، بل مستنسخ حيوانات منوية مرموق.
لمن أكتب إذاً؟ لقارئ على استعداد للتخلص مني فور اكتشاف ومضة جديدة في الأفق. يتناسب هذا مع طموحاتي ككاتب. أن أتجاوز الزمن. أن يتجاوزني الزمن. أن أصير نسياً منسياً. أفكار كالخلود تضحكني الآن. فالعالم يقترب من تدمير ذاته، أي طفل صغير يقذف السلطة الهائشة بحجر عقب ثورتنا البائسة، يعرف ذلك، لا وقت للخلود، لا وقت للنجاة من التجربة. دائماً أملك نصيحة بخصوص الكتابة. حتى قناديل البحر لديها نصائح. حب النصيحة مرض مصاحب لكل كائن حي. لذا من الطبيعي أن يكون لديّ واحدة: اكتب نشازك بجد. الجمهور سيقاتل من أجل الأوركسترا الوقورة والآمنة. مقاومته الهشة سيجرفها الرمل. نشازك سينجو لبرهة، ثم تأكله الريح. قبل أن تفعل، انتهز الفرصة. التقط صورة مبتسماً وراضياً لنجاة نشازك للحظات. اجعلها «بروفايل بيكتشر» على فايسبوك. تفويت الإعجاب، أمر لا يليق. إلى أي شكل من أشكال الكتابة، أطمئن؟ الموت. أنتمي إلى تلك الفئة من الكتاب: المقامرون، الخونة، قناديل البحر، يوتيوب. أي فئة أكره من الكتاب؟ الراسخون في العلم. أقدم على الكتابة بالوقاحة نفسها التي ينبغي أن أواجه بها العالم.
كهنة الكتابة فى كل زاوية وركن. وعند كل بوابة، حراس الثقافة، يعتقدون في الأسوار المعدة سلفاً. بعضهم قراء، لكن الخبر المفرح: إنهم ميتون. فقط على أحد أن يترك لهم ورقة صغيرة ملونة تحمل تلك الملحوظة: عزيزي الكاهن. أنت ميت، انتبه لأطرافك المفككة.
ماذا تحمّلت؟ الشك، الندوب التي يخلفها الذنب، المعايرة بالخطيئة، كلمات الميتين: الأدب الرفيع، الذوق العام، كان يمكن لروايتك أن تكون أسهل. كان عليك أن تكتب بتلك الطريقة. النسب البائس لكتّاب لا أحبّهم فقط لأنّهم لم يقرأوا لسواهم. أكتب الآن، أكتب عن الآن.
* روائي، من أعماله «ماندرولا»
(دار العين ــ 2013)







ملكة بدر *

ما الذي يعنيه أن يكون لأحد مكان ما بين الآخرين؟ هكذا هي الكتابة بالنسبة إليّ: حيّز بين الموجودين، لكنه هذه المرة حيز يجعلك موجوداً ومتعايشاً وحياً، وليس مجرد كتلة في الفراغ. الكتابة أن يقرأك الآخرون، إلا أن حرية الكتابة هي ألا تأبه وأنت تكتب أنّ آخرين سيقرأونك، وهذا هو جوهر الأمر في الحقيقة.
إذا كانت الكتابة أن تحظى بحيز في الوجود، فإنّ الكتابة في مصر تحديداً جزء من البقاء على قيد الحياة بالمعنى الحرفي. في وطن لا يعترف بك إلا بعدما تتخطى الستين، أو أن تتخطى مبيعات كتابك، مهما كان الطبعة السادسة بحسب الناشر، يصبح قلمك هو الملاذ الوحيد، خلفه تختبئ أو تظهر. أنت هنا لتقول من أنت، أنك جدير بالاهتمام، ثم يحدث بعدها ما يحدث حتى لو كان هجوماً لاذعاً عليك. تحتاج إلى أن تقول إنك لست ابن جيل السبعينيات بنضاله ضد إسلاميي السادات، ولا تنتمي إلى جيل التسعينيات بإخفاقاته الشخصية وتوحّده، تحتاج الى تأكيد أنك ابن الألفينات ـــ لو صح التعبير ـــ بثورته التي ميزته عمن قبله.
الثورة؟ لحظة أن تحوّل كل شيء في حياتك ليصبح ذات مغزى. ورغم ذلك لا تستطيع الكتابة عن تلك اللحظة حتى الآن. كنت على وشك أن تصبح كاتباً ألفينياً لا يختلف كثيراً عن أبناء التسعينيات الذين خبروا الغربة والنضوج على مهل، ولوّحوا لهزيمة ناصر ثم هزيمة المجتمع المصري على يد الانفتاح من بعيد. الآن، أصبحت جيلاً منفصلاً، متفرداً بحد ذاتك، قضى الإله أن تكون وحدك أنبوب اختبار حول كيفية فشل الثورات في تغيير النظام، أو إقامة يوتوبيا.
الثورة هي العلامة المميزة لمواليد أواخر الثمانينيات. اللحظة التي قررت فيها ألا ثوابت بعد الآن، واللحظة التي جعلتك تؤمن بأنّه لا بأس في أن تكون كتابتك غاضبة مثلك، وأنّ ما من أحد سيفهم غيرك لحظة الحرية الحرفية، شجاعة الاحتماء بغيرك، لحظة الانتصار المجنونة، والإحباط اللانهائي. كتابة هذا الجيل الغضب المجسد، واللاثوابت، الصوت المستقل تماماً حتى ممن كانوا بالأمس القريب «أساتذة». الكتابة التي لا تبحث عن كلمات منمقة، بل تلقي بنفسها من شرفات تكتكات «الكيبورد»، سواء على فايسبوك أو غيره. كتابة لا يعتبرها البعض «مهذبة»، لكن أصحابها لا يأبهون. كتابة هي الثورة، لولا أنّ غضبها لا يخمد بمجرد النشر.
* شاعرة من أعمالها ديوان «دون خسائر فادحة» (دار ميريت ــ 2012)







أحمد مجدي همام*

ثمة مقولتان يجب التنبه لهما: الأولى أنّ «الكتابة هي اللعب بمنتهى الجدية» والعهدة على محمد عبد النبي، والثانية لميخائيل باختين «الرواية هي الشكل الأدبي الذي يرفض الاكتمال». وبين هاتين المقولتين، أنصُب خيمتي وأرعى غنماتي أو كتاباتي تفادياً لغواية الكلمات. وعليه، أسعى للخوض في كل المساحات المتاحة، الكلاسيكية، والتجريبية. أريد أن أكتب الرواية كما كتبها فلوبير. كما أريد أيضاً أن أجرّب مثلما فعل برناردو أتشاغا، وربما أستطيع يوماً ما أن أمزج التيارين في نص واحد. فكرة الكاتب (ذي المشروع) الذي يمتلك قائمة بِسِماتٍ مشتركة بين أعماله، تصل حدّ اجترار المكتوب سلفاً، تشعرني بالخواء والإفلاس.
في 2008، صدرت روايتي الأولى «قاهريّ» التي وقعت بين البيوغرافيا والمتخيل، بعدها، ترسب في يقيني، بشكل تدريجي، حقيقة أنّ الرواية ليست مجرد حكاية وحبكة؛ فانفتحت أمامي فجوات واسعة في الملعب. وانتهى اكتشافي للغابة التي تقع خلف بيتنا، إلى روايتي الثانية «أوجاع ابن آوى» (2011) التي حاولت فيها المزج بين القصة الكلاسيكية بزمنها التصاعدي، وبين مدونات الإنترنت، مُضفِّراً الخيطين في بعضهما، لأجد في منقضى الأمر نصاً مركباً يحتفي بالتجريب والتناص والبوليفونية.
بعيداً عن جرعة التنظير السابقة، أود أن أقول إنّ الواحد يكتب لأنّ تلك الممارسة أسهل من الامتناع عن القيام بها. الكتابة دودة تنهش في أمعائنا كما يقول العم يوسّا. أنا من هذا النوع من الكُتّاب، فالمرء يندهش بحياته وبالمحيطين به، فيكتب، أو يشعر بالضجر والملل، فيكتب أيضاً! ويبدو أنّ الكاتب هو في الأساس إنسان معاق، لا يستطيع التعبير بلسانه وجسده قدر استطاعته التعبير باللغة
المقروءة.
ربما يكون هذا الهوس اللاإرادي بالكتابة، وهذا الميل للخوض في كل مستويات السرد، رد فعل غريزي على عملية التعليب والتصنيف في الدزينات التي تحيق بالروائيين على مستوى العالم (جيل الستينيات وجيل البيت أو الجيل الضائع...)، وتمرد على عملية التصنيف والتجنيس التي تحاصر النصوص الأدبية، من قصة إلى شعر ورواية وسيرة روائية. في حين أن الكتابة التي هي وجهة نظر في النهاية (الكتابة الجيدة أعني) تستطيع أن تفرض نفسها وتختار الشكل الذي تقترحه هي وفقاً لثقافة الكاتب، ومزاجيته، والضرورة الفنية، ووطأة اللحظة الراهنة... ووفقاً لكل ما سبق، لو جاز للواحد أن يطمح بمستقبل أدبي واعد، فلن أتمنى إلا أن أكون «حامل لواء الروائيين إلى النار».
* روائي من أعماله «قاهري»
و«أوجاع ابن آوى»






غادة خليفة *

لا أرغب في كتابة ما سبق لي كتابته. كلُّ الكلمات قديمة، كتبتُ كل هذا من قبل ولم ينقذني. الكتابة تبتعد مثل طائرة ورقية تهرب ببكرة الخيط. لن أطاردها فوق الأشجار، ولن أبحث عنها فوق أسطح البيوت. لم تكن تسعدني على أي حال. ثم إنها لم تستطع أن تنقذ نفسها من الضياع. كيف ستنقذني إذاً؟ الكتابة، والألوان، والكروشيه، والأفلام، والكتب، والأصدقاء، والأحلام والبكاء... كل هؤلاء مطالبون بإنقاذي، بينما تخبرني «غادة» أكثرُ ذكاءً من تلك التي تكتب الآن، أنّ عليّ أن أرسم خريطةً لهم، أو أن أتجاهلهم جميعاً وأبدأ بإنقاذ نفسي، أو أن أستيقظ وأسمح للبحر بأن يأخذني بلا خوف، أو أن أعيش كما أحب بلا خرائط أو طُرق. هذه العاصفة التي تمرُّ بي كل يوم، لا ترغب في انتظاري كي أفهم. لا أنشغل كثيراً بوضع تصوراتٍ عن الكتابة. أكتب فقط وأبتهج بالنصوص الجديدة. أصطدم كل يوم بنصوص جديدة لأصدقاء ولآخرين لا أعرفهم. أحيانًا تأخذني نصوصهم إلى عالم جديد. ومعظم الوقت أشعر بأنني أقرأ ما سبق أن قرأته. أحبّ النصوص التي تعيد تشكيل اللحظة وتلتقط الصورة من زوايا قريبة ومختلفة. منذ فترة طويلة، لاحظت أنني غير معنية بالأجناس الأدبية. أفرح بالنص فقط من دون أن يزعجني المسمّى الذي يندرج تحته. بعد القراءة الأولى، أعرف إن كنتُ أحببتُ النص أو لا. لكنني أحتاج إلى قراءة ثانية كي أكتشف لماذا أعجبني/ لم يعجبني. أفرح حينما يخبرني أحد أنه وجد نفسه داخل كلماتي، وحينما يخبرني الأصدقاء لماذا يفضلون هذا النص أو لماذا لا يعجبهم. أخاف أن تجبرني الحياة في ما بعد على التوقف عن الكتابة، أو أن يحدد أحدهم كل هذا البراح الذي أتحرك داخله وأكتب. لكنني أكتب لتسقط المسامير التي تثبتني بالأرض... أكتب لأشبه نفسي قليلاً. حتى ولو ظهر الألم مختبئاً بين السطور معظم الوقت.
* شاعرة وتشكيلية، من أعمالها ديوان «تقفز من سحابة لأخرى» (دار شرقيات ــ 2012)





سارة علام*

ليس لديّ وصف محدد ودقيق لحكايتي مع الشعر، لكنني أظنها قصة بدأت مبكراً جداً حين كنت أذهب إلى نادي الأدب في «قصر ثقافة أسيوط» وأنا في الخامسة عشرة أستمع إلى شعراء منسيين لا يسمعهم أحد. كنت أحاول أن أقحم نفسي في مناقشاتهم أو أفهم ما يقولون أو أنصرف، على أمل العودة والفهم مرة أخرى. كنت أظن دائماً أنني حين أكتب، سأكتب سرداً وليس شعراً، إلى أن بدأت بكتابة نصوص قصيرة. لم أعرف ما إذا كان ما أكتبه شعراً أو هو مجرد محاولات قد تكتمل في النهاية بكتابة الشعر. حتى إنني كنت أسمي قصائدي «نصوصاً» حرجاً من أن أسميها شعراً.
لا أعرف ما تمثله لي تلك النصوص، لكنني كنت أكتب كنوع من التنفيس أو العلاج النفسي. وأذكر أنني كنت حين أهمُّ بالكتابة، أشعر أنّ شيئاً عالقاً بصدري يؤلمني، أو ربما غصة تسد حلقي لا تهدأ إلا بعد اكتمال النص. حين أعيد قراءة نصوصي أشعر أنهم أولادي يشبهونني، بحكايتي مع أبي وأسرتي التي لا تعترف بالأنثى، بحكايتي مع وطن أحاول أن التمس فهمه بطريقتي، بحكايتي مع حبيب ليس للنسيان ولا للهرب.
«دون أثر لقبلة» كان رسالة مني لكلّ هذا العالم بجماله وقبحه وصخبه وهدوئه، لأقول له إنّي هنا أفعل ما أريد وأراك مثلما أحب أن أرى. الكتابة كسرت الكثير من الحواجز بداخلي ومنحتني قوة للاستمرار في الحياة واكتشافها من جديد. الشعر بالنسبة إليّ ليس وسيلة للتعبير عن الحياة بقدر ما هو نوع من أنواع الحياة وطريقة لاكتشافها. وعندما قررتُ أن أغامر بالنشر، قال لي أصدقائي إنّ نصوصي جريئة ونصحني أحدهم بأن أحذف قصيدة «حد الاختفاء» التي تتضمن استعارة للحالة الإلهية والملائكية.
إلا أنني فضلت تركها في الكتاب لا لشيء إلا لأنّ نصوصي تشبهني. وعندما أقرر الاختباء مني، سأضعها في مكان آمن وأحرقها جميعاً. أما الآن، فلا داعي للهرب. تشغلني دوماً فكرة الصدق الفني أكثر مما تشغلني ردود فعل القراء، أو النقاد. الكتابة فعل ذاتي، وإذا انشغل الكاتب بآراء القراء والنقاد، فلن يكتب أو سيكتب شيئاً تافهاً لا يمثله ولا يعبّر عنه. وإن باع ملايين النسخ وملأ الدنيا ضجيجاً، سينتهي كل ذلك مع الوقت. الصدق هو الذي يجعل الشعر شعراً والفن فناً.
* شاعرة، من أعمالها ديوان «دون أثر لقبلة» (دار العين ــ 2013)






محمد ربيع*

لا تبدو البداية بعيدة أبداً، كأنها حدثت البارحة. كتم ياسر عبد اللطيف ضحكته عندما عرف مقدار شطحي. كنت أنوي كتابة عمل خيالي بالكامل. لكنّي هذبت خيالي، وكتبت «كوكب عنبر». بعد ذلك، وأثناء التحضير للرواية الثانية، «عام التنين»، اتسع المجال، وعدت مرة أخرى إلى الخيال غير المحدود. هناك دائماً شعور بأنّ ما أكتبه الآن سيكون آخر ما أكتب. تتراكم أفكارٌ كثيرة في رأسي، أحاول ترتيبها وتهذيبها، على أمل أن يكون هذا عاملاً يحثني على الكتابة. لكن هذا لا يحدث. الأفكار تبقى راقدة هكذا لا ترغب في الحركة، ولا أعلم ما الذي يحركها فعلًا. ربما طول الرقود؟ ما أراه حقاً أنّ الاستمرار في الكتابة المُرضية للنفس هو النجاح.
ويبدو أنّ متلازمة رفع/ وضع القيد هدفها في النهاية تحطيم كّل القيود، الأمر الذي يحدث تدريجاً وبلا وعي منّي. هناك جزء صغير من عملية الكتابة يحدث بلا وعي كامل، وأحياناً، بلا وعي على الإطلاق. هناك دائماً توق إلى التجديد، ورغبة في تأسيس بناء أكثر تماسكاً. والأهم من ذلك متجانس. أتخيل الرواية كالنسيج القماشي، منسوجة من خيوط طولية وعرضية، إذا ما تمّ نسج جزء منها من خيوط الحرير، فلا يجوز استكمال الباقي من خيوط القطن. التجانس يقتضي نسج جزء حريري وآخر قطني، ثم تكرار التبادل بين الاثنين حتى تنتهي الرواية _ النسيج، بالطبع مع خيارات لانهائية؛ يمكن إضافة خيوط أخرى، أو ألوان متعددة، أو أشكال جديدة، أو ربما نسيج آخر متداخل مع النسيج الأصلي، شرط أن يكون هذا كله متجانساً.
* روائي من أعماله «كوكب عنبر» و«عام التنين»



الطاهر شرقاوي*

ما الذي تعنيه الكتابة لي؟ يبدو السؤال صعباً ومربكاً. لن أقول إنّ الكتابة تمثل الحياة لي، أو إنها مشروعي الفكري الذي سينقذ العالم من ظلامه، ويهدي الضائعين ويمحو الغصة من قلوب المنبوذين. تبدو لي كل تلك الإجابات زائفة وغير حقيقية، فيها مسحة من الترفع والتعالي. وفي الوقت عينه، لا أمتلك الجواب اليقين عن هذا السؤال. هل الكتابة هي بحثي الدائم عن إجابة لكل أسئلتي القلقة التي لا تنتهي للوصول إلى إجابات لا تريحني؟ لو كان ذلك صحيحاً، فهل حققت لي الكتابة ذلك؟ تحديداً لا أعرف. أعلم أنّ كلمة «لا أعرف» لا تعد إجابة، لكنها الإجابة الوحيدة التي أمتلكها الآن. وحتى العثور على إجابة مغايرة، ستظلّ إجابتي.
بشكل ما، أتعامل مع الكتابة كأنها «لعبة». ليس بمعنى الاستهانة بها أو السخرية منها. لكنّي أقصد أني أستمتع بالكتابة كأنّي أمارس لعبتي المفضلة. التعامل معها بهذا الشكل يمنحني المتعة التي تتبعها السعادة. يمنحنى اللعب مع الكلمات والجمل. فرصة تجريب أساليب جديدة أو محاولة صنع أشياء تقبع في خيالي. اللعب مع الكتابة يمنحني الحرية ويعيدني الى الطفولة، حيث الدهشة ومراقبة العالم والشغف باكتشاف المجهول وخلق عوالم غريبة من أشياء بسيطة، والإيمان بوجود هذه العوالم. هذا ما أقصده باللعب مع الكتابة.
ماذا إذاً عن اللغة؟ هي أيضاً أحب اللعب معها. أن تتقمص شخصية عالم آثار وتنقب عن الكلمات والمفردات، تزيل عنها ما علق بها من تراب وطين وتعيد إليها رونقها. هل جرّبت مرة أن تتعامل مع الكلمة كما تتعامل مع العشيقة؟ وما المانع من مغازلة الكلمات والتوله في جمال وخفة المفردة؟ الإنصات الى ما تبثه من موسيقى خفية، أعرف أني أقترب بهذا الكلام من منطقة الشعر، والمفترض أني أتحدث عن النثر، لكن النثر يحمل بداخله شعراً أيضاً. الجملة تحمل جمالياتها وموسيقاها الخاصة، كما أنّ الشعر هو روح العالم.
هل أكون ـــ عندما أكتب ـــ قاصداً طرح واقع معين منذ البداية، أم أنّ هذا الواقع هو الذي يختارني؟ لا أعرف. ها أنا أعود الى استخدام «لا أعرف». ما أعرفه أنّ هناك عوالم معينة، تظل كطائر يمتلك مخالب، تحلق داخل روحي، قلقة، ومتوترة بشكل واضح، وتكون كتابتها هي الحل الوحيد.
وبعيداً عن كيفية نمو هذا العالم بداخلي، المهم أنّه موجود، وهذا يكفي. أنا أيضاً فوجئت بعد فترة من الكتابة، بأنّ هناك عوالم تطرح نفسها، سواء على استحياء أو عمداً. وهذا لا ينفي وجود عوالم أخرى كنت قاصداً وواعياً بها أثناء الكتابة. إذاً المسألة ليس لها قانون محدد وثابت. الواقع الذي أطرحه هو واقعي أنا، الواقع الذي أعيشه وأحياه، الذي أتنفسه وأراه، الذي أتذوقه وأشمه، الذي أتصالح معه ثم أركله بقدمي وأنبذه بعيداً، الذي أغني له وبعدها أتلافاه، العالم الذي يبدأ من السرير الذي أنام عليه، وحتى العالم الذي لا حدود له. حتى البطل الذي أطرحه ربما يكون أنا. أطرح نفسي كما عشتها، وكما أعيشها، وكما أتمنى أن أعيشها، وأيضاً كما أتمنى أن لا أعيشها. أنا الذي يمشي في الشارع يتسلى بركل الطوب بمقدمة حذائه.
الرواية اليوم أشبه ما تكون بالعالم الجديد الذي يجذب إليه المريدون والشعراء وكتاب القصة. عالم رحب يمتلك إمكانية منح مرتاديه كل ما يحلمون به، حيث الكتابة والتجريب وطرح أشكال جديدة. عالم جديد يمنح المتعة لكل من يطأ أرضه.
* روائي، من أعماله «عن الذي يربي حجراً في بيته» (دار كتب خان ــ 2013)