يشتغل عمر فاخوري على أفكار ومفاهيم أكثر من اشتغاله على «فن اللوحة» وتعبيراتها التقليدية، أو لنقل إنه يشتغل على لوحات وظيفتها الأساسية أن لا تتأخر في إنتاج أفكار. اللوحة في النهاية ذات حضور أدائي تقريباً. يمكن التوقف لاحقاً أمام تفاصيل وإيحاءات وتأويلات فنية لها، ولكن ذلك مؤجّل بقوة الأفكار وسطوتها، بينما كل شيء في اللوحة يعمل في خدمة فكرة الفنان أو وجهة نظره المسبقة تجاه موضوع أو إشكالية غير محدودة أو محصورة بشروط اللوحة والرسم. لا نقول شيئاً جديداً بخصوص انغماس جيل كامل من الفنانين اللبنايين الشباب في الممارسات الراهنة والمعاصرة للفن، وفاخوري واحد منهم. انحاز الفنان اللبناني منذ بداياته إلى جعل الرسم ذريعةً لإظهار أطروحات أخرى تتجاوز اللوحة إلى ممارسات أكثر حداثة ومعاصرة. الرسم أصلاً قليل في تجربته، ولم يحدث استجابة لشروط اللوحة بقدر ما هو ترجمة لطموحات تكسر هذه الشروط، فتبدو اللوحة عملاً أو مشروعاً فنياً ونظرياً، ولذلك كان طبيعياً أن ينتقل بين الرسم والتجهيز والفيديو، ويخلطهما مع أطروحات سياسية واجتماعية وثقافية تتصل بالشأن العام والهوية اللبنانية والذاكرة والحرب والسلم الأهلي الذي تعذّر أن يصبح سلماً نهائياً.

لوحاته تنضح بطاقة تنظيرية ونقاش سياسي

في معرضه الجديد Rehearsals For Setting الذي تستضيفه غاليري «أجيال»، نجد ما يشبه الـ Concept أو المفهوم الذي يسبق فكرة المعرض وتفاصيله. ينطلق فاخوري من مشهدية النُّصُب والتماثيل التي كانت تشكل في الماضي ترميزاتٍ جامعة للمجتمع اللبناني في زمن الاستقلال وما بعده بقليل، وما طرأ على هذه المشهدية من تطورات عاصفة أدت إلى تغيير جوهر هذه المشهدية وقدرتها على التمثيل والإجماع. لا يحدد فاخوري زمناً محدداً لهذا التغير، لكننا نعرف أنه يبدأ من الحرب الأهلية، ويستمر في زمن السلم الذي لا يزال يُخترق بحروب وتفجيرات واغتيالات وانقسامات عمودية حادة جعلت الحرب نفسها مستمرة بصيغ وأشكال متعددة. ما نراه في المعرض أشبه بلوحات «توضيحية» لهذه التغيرات، ومحاولة لتوثيقها من خلال الفن. لا يحمل المعرض تأويلاتٍ سياسية فقط من خلال ملاحقة فكرة استبدال النصب الجامع بنصب آخر من إنتاج الدين أو الطائفة أو المذهب، أو نُصب مماثلة من إنتاج الأحزاب والجماعات السياسية والأهلية التي باتت مع الوقت والظروف أقوى حضوراً من أسلافها الاستقلالية الجامعة، وأكثر سطوة من فكرة الدولة ذاتها، بل يطرح المعرض فكرة أبعد وأعمق من وراء فكرة «التدريبات» أو البروفات على النٌّصُب، وهو أن المجتمع المدني والأهلي بات أسير هذه النصب والتماثيل والرموز الجديدة. اللوحات المعروضة تمثل أجزاءً من فكرة النصب كما نعرفها في النحت أو المجسمات. أحياناً تكون على شكل قاعدة لتمثال أو على شكل جدارية أو تفصيل مجسم يذكرنا بنصب أو تمثال كامل في ذكراتنا وفي معرفتنا المسبقة بوجوده، ليس في اللوحة فقط بل في أمكنة وأحياء ومناطق في خريطة بيروت ولبنان. تقول لنا اللوحات إن تغيراً حاسماً طرأ على الفضاء العام، وإن المجموعات الأهلية والطائفية باتت رازحة تحت ثقل النصب الجديدة التي تحولت إلى أيقونات مقدسة، وأن هذه النصب هي تعبيرات مجازية كبرى لترجمة الولاء الضيق والغريزي لهذه المجموعات. ولا يحتاج زائر المعرض إلى جهد كبير لكي يربط مشهدياته الشخصية بوجهة نظر الفنان، فهي في النهاية مشهديات المواطن الذي تأذّت مواطنيته بتصدعات الهوية وانقساماتها وجروحها، ووجد الكثيرون أنفسهم متبنّين لهذا الأذى الأنطولوجي والاجتماعي والسياسي، ومدافعين عنه بشراسة ضد أقرانهم من «مواطني» الرموز والولاءات المقابلة، بل إن هذه التقابلات غالباً ما تترافق مع مشاحنات واشتباكات ومعارك في حال حصلت تعديات على المجال الجغرافي والاجتماعي والسياسي الذي تمثّله هذه النُّصب والرموز.
يضع عمر فاخوري في لوحاته طاقة تنظيرية ونقاشاً سياسياً أكثر من كونها لوحات للتأمل، فهي أصلاً لا تبدو أكثر من طبعة مرسومة لكتل المجسمات والتماثيل والنصب التي يحمل المعرض نبرة احتجاجية وانتقادية قوية لها. وكما في معارضه السابقة، نجد تلك الرغبة في مراجعة التاريخ والتطورات السياسية والمجتمعية من خلال ثيمات ومشروعات فنية يمكن استثمارها في سياق تلك المراجعات. ولعل القيمة المعاصرة لهذه الموضوعات موجودة في الانطباعات السوسيوسياسية التي تنبعث منها، وتجعلها ممارسات فنية وسياسية في آن معاً.


Rehearsals For Setting عمر فاخوري: حتى 5 آذار (مارس) ــ «غاليري أجيال» (الحمرا) ـ للاستعلام: 01345213