الكولاج الذي نعرفه كحصيلةٍ بديهية للصق عناصر وألوان ومواد مختلفة يتبدّد بسرعة ما أن ندخل معرض «كولاج» الذي تحتضنه «غاليري عايدة شرفان». ما يقترحه علينا حسين ماضي (1938) يشبه دروس الأشغال اليدوية. اللوحات الـ 36 مشغولة بعمليات قص ولصق المادة نفسها، وهي الورق المقوّى. الكولاج هنا هو إنجاز لوحة عادية باستخدام المقص. كأنّ الرسام اللبناني الذي لطالما أدهشنا برسوماته ومنحوتاته، ينقل لعبته إلى منطقة مجاورة. الخطوط الإعجازية التي أنجز بها لوحاته المتقشفة، والبراعة الهائلة في تطويع المعدن في منحوتاته، تجدان ممارسة جديدة في تأليف اللوحة من قصاصات الورق والكرتون. ربما يكون أصل اللوحة موجوداً في مخيلته، وربما تكون محض ارتجال. في الحالتين، يسعى ماضي إلى ترجمة ما سبق أن رسمه ونحته، ولكن باستخدام المقص هذه المرة. الترجمة ليست حرفية طبعاً، وإلا صارت الكولاجات مجرد طبعات مكررة للرسم والنحت. هناك شيء ما يجعل المقص أداة مكلَّفة بخلق خريطة طريق أخرى تسلكها اللوحة. ربما لا يرى المشاهد فرقاً بين الكولاجات وبين أعمال ماضي الأخرى. الفروق الطفيفة وغير المرئية تقريباً مدسوسة في مبدأ الإتقان ومراعاة المقاييس. حين يحدث ذلك، تصبح الأعمال المعروضة نوعاً من اللعب، وتصبح عمليات القص واللصق متعةً خالصة. هكذا، يصبح طبيعياً ومدهشاً أن نرى نساء ماضي وطيوره وثيرانه التي ملأت معارضه السابقة، تفعل ذلك وهي مقصوصة وملصقة على سطوح اللوحات الحالية. الطيور حاضرة أكثر في المعرض. إنجازها بالورق المقصوص يجعلها خفيفة أكثر في طيرانها، وفي حركة أجنحتها ومناقيرها. إلى جانب ذلك، ثمة لوحات مصنوعة من مثلثات هندسية، وأخرى تحتلها أزهار، ولوحات تختلط فيها الطيور مع ثمار وفاكهة. في لوحة «ثيران وعصافير»، يستدعي ماضي بعضاً من ثيرانه لتركض مع الطيور. وفي لوحة «مسابقة البيكيني»، تحضر نساؤه الفاتنات والإيروسيات في ثياب البحر. مع استغراقنا في اللوحات، تتراجع فكرة المقص إلى الخلف، مفسحة المجال لفن حسين ماضي الذي نعرف توقيعه قبل أن نراه. لعل الأسلبة هي بطلة هذه اللوحات المنجزة بالانضباط الأسلوبي الذي عهدناه في مسيرة ماضي في الرسم والنحت. هناك ثراء وخصوبة في الخطوط والمنحنيات التي تتكرر في أشكال الطيور والأزهار والثيران والمثلثات وأجساد النساء. التقشف وتجنّب الثرثرة متأتيان من تصالح الرسام مع ممارساته التي تحصر قلقه وطموحاته في الموضع ذاته. كأنه يحفر في تجربته، ويُكثِّر طبقاتها وتأويلاتها. لا يزال ماضي يجدّد علاقته بهندسة الكون، ويقرّب فنّه الشخصي من عمل الطبيعة على موجوداتها. مجاراة الكمال تختزل أعماله المنطوية على ممارسات دقيقة تنتهي إلى خلاصات للجمال والإتقان. لقد سبق أن قلنا أن ماضي يرسم ما ينحته وينحت ما يرسمه، وها هو يمزج الممارستين بالكولاج المكلَّف بتظهير الانطباعات النحتية والتشكيلية السابقة. كأن المعلم اللبناني يصعِّب المطلوب منه كي يصل إلى البساطة والاختزالية والخفة، بينما المذاقات التكعيبية والغرافيكية تنبعث من الأعمال المعروضة سواء كانت ممنوحة للطيور أو المثلثات أو الأجساد.

كأن ماضي يُجاري نفسه ويتحدى فنَّه أكثر من رغبته في الذهاب إلى منطقة أبعد. الرسم بالمقص يمثل هذا النوع من التحدي في مواجهة الريشة والإزميل والمعدن. مواجهة تقنية وأدواتية تضع رسومه ومنحوتاته في مواجهة طبعاتها الكولاجية، ويصبح المعرض مرآةً تعكس ما نراه فيه الآن، وما سبق أن رأيناه في معارض سابقة.

«كولاج»: حتى 31 أيار (مايو) ــ «غاليري عايدة شرفان» (وسط بيروت). للاستعلام:01/983111




تلميذ الكون

الطبيعة التي احتضنت نشأته في شبعا الملاصقة لجبل الشيخ جعلته على علاقة مباشرة بحركة الكون وكائناته، ولكنها علّمته أيضاً أن يجاري الكمال والإعجاز فيها، وأن يكون «تلميذاً للكون»، بحسب وصف الشاعر عباس بيضون لتجربته. مجاراة الكمال جعلته مشغولاً برسم الحركة الخفية المدسوسة داخل التشريح الجسدي لنسائه، أو مقتفياً الخط التصاعدي لتحليق طيوره، أو الوثبة المتوقعة لثيرانه. حيوانات حسين ماضي وأشكاله قادمة من فردوس أمكنته الأولى، كما يقول هو في مقابلاته، إلا أنها تنتمي في الوقت نفسه إلى فنون المنطقة وتراثها النحتي، وخصوصاً في بلاد الرافدين وسوريا القديمة.