بعد أشهر على اندلاع الأزمة السورية قبل سنتين، عرضت قناة «الجزيرة» القطرية تقريراً ذكياً وجذاباً مزج بين مشاهد من الاحتجاجات الشعبية، وأخرى من سلسلة بسام الملا الشهيرة «باب الحارة»، وخصوصاً مشهد محاصرة «حارة الضبع» على يد قوات الانتداب الفرنسي، إلى جانب مقتطفات من تصريحات أبطال المسلسل أنفسهم للقنوات حيال الأحداث التي تشهدها سوريا (الأخبار 19/5/2011). يومها، أرادت المحطة القطرية أن تُظهر للمُشاهد «الانفصام» الذي يعيشه الفنانون السوريون بين بطولاتهم وثورتهم على المحتل الفرنسي التي جسّدوها في المسلسل، وموقفهم «المتخاذل» إزاء ثورة بلدهم التي خرجت من المناطق المحرومة، وجعله يستنتج أنّ الفنانة منى واصف، التي جسدت دور الثائرة أم جوزيف في المسلسل، هي وحدها التي خرجت بمواقف مشابهة في الحياة وكانت «متصالحة» مع نفسها.


انتفض الفنانون الذين أصابهم النقد واعترضوا على الخلط والاجتزاء من التصريحات التي استخدمتها قناة «الفتنة والتضليل» كما سمّوها. بعد ذلك، راحت الأخبار تتوارد عن تأثر بعض أفراد عناصر «الجيش السوري الحرّ» بالمسلسل الشامي، واتخاذهم أسماءً حركية مستوحاة من «باب الحارة» (كأبو النار وأبو شهاب..).
لكن في الأيام الأخيرة، عاد المسلسل الشهير إلى الواجهة تزامناً مع الحديث عن نية مؤكدة لبسام الملا في إنجاز جزء سادس من «باب الحارة» لصالح شبكة mbc السعودية، وعودة الممثل عباس النوري (أبو عصام) بطلاً للعمل. هكذا، روّجت صفحات إلكترونية بأنّ بعض المحطات المعارضة التي عادت اليوم لتعرض أجزاء المسلسل، إنما تفعل ذلك ربطاً بما يحدث على الأرض، وخصوصاً في منطقة القصير. الخبر بدا منطقياً، وخصوصاً أنّ محطة «المستقبل» التي اشتهرت بسياسة التحريض في الأزمة السورية أنهت للتو عرض أحد أجزاء المسلسل، لتبدأ «LBC دراما» بعرض الجزء الثاني يومياً (22.15) مع نشر ملخّصات عن أهم نجومه وصورهم عبر موقعها الإلكتروني. أما «الجزيرة»، فتعاملت بذكاء وحنكة أكبر. بعد الأخبار التي تحدّثت عن سحب الملف السوري من قطر إثر فشلها في إسقاط النظام السوري، وإيكاله إلى السعودية، ها هي «الجزيرة» تتبنى سياسة جديدة تقضي ببعث رسالة إعلامية واحدة مفادها أنّ الثورة انطلقت سلمية وكانت ثورة مطالب شعبية. هكذا، راحت تعتمد على العرض المتكرر لوثائقي «سوريا لحن الأمل»، حيث التقت فنانين سوريين معارضين هم: جمال سليمان، والممثل مازن الناطور، والممثلة والمخرجة واحة الراهب، والمخرج مأمون البني، والناقد إسلام أبو شكير، والموسيقي مالك جندلي... كل ذلك للتركيز على «الثورة الفريدة» مع بثّ ألحان الأغاني الشعبية التي أطلقها ابراهيم القاشوش وعبد الباسط الساروت وغيرهما. ثم عاد «باب الحارة» إلى الواجهة. لكن بدا غريباً زج المسلسل ضمن فواصل الوثائقي المذكور، وربط مشاهده بالتظاهرات مع التركيز على صرخة دريد لحام في مسرحية «كاسك يا وطن» (الله وكيلك يا أبي مو ناقصنا غير شوية كرامة). واعتبرت الإعلامية فاتن حمودي التي استضافها الشريط أنّ مسلسل «بقعة ضوء»، وتحديداً لوحة «الرجل البخاخ» قد فتحت باباً للناشطين لعمل مشابه على الأرض. هكذا، اتّهم البعض «الجزيرة» وزميلاتها بمحاولة رفع معنويات مقاتلي المعارضة المسلّحة على الأرض، عبر استثمار أعمال درامية سورية على رأسها «باب الحارة». ورغم سطحية مسلسل البيئة الشامية المعروف، وغرقه في تكريس عادات الجهل والتخلّف، إلا أنّ الحظ يبتسم له دوماً، فهو نجم لكلّ المواسم بما فيها موسم الغرق السوري في الدماء!