ضمن الدورة الخامسة من «مهرجان ربيع بيروت»، تحيي تانيا صالح (1969) أمسية غنائية بعنوان «شبابيك بيروت» في «حديقة سمير قصير» (وسط المدينة) مساء غد الأحد. تتخلل الحفلة عشر أغنيات أُعدت خصوصاً لهذه المناسبة التي صمّمت لها المغنية اللبنانية عرضاً مرئياً من رسومها لمرافقتها. أما الأغاني، فتصبّ كلّها في موضوعٍ واحد هو الحب «بعيداً عن الابتذال والمعنى الاستهلاكي» وفق ما تقول الفنانة لـ«الأخبار».


بعض هذه الأغنيات جديد كلياً، وبعضها مستوحى من التراث («يا حمام»، «راحوا الحبايب») مع تدخّل وسام الحاج علي، وتانيا صالح وعصام الحاج علي في اللحن. وتختتم صالح حفلتها باللون الغربي الكلاسيكي، مع أغنية من ألحان (ومهداة إلى روح) المؤلف الموسيقي ولاعب البيانو الراحل بوغوص جلاليان (راجع الكادر). ستقدَّم هذه الأغنية بأداءٍ هارمونيٍ لكورال وزّعه إدوارد توركيان. إلى جانب صالح ككاتبة شبه دائمة لأعمالها، سنسمع قصيدة محمود درويش «هي لا تحبك أنت» لحّنها عصام الحاج علي.
تصنِّف تانيا عملها في خانة الأغنية البديلة. تستثمر ما تراه في واقعنا وحياتنا اليومية وتَنقله بنحو بسيط وانسيابي إلى العمل الموسيقي. تصرّ صاحبة «وحدة» على إكمال مسيرتها باللهجة اللبنانية بعدما خاضت تجارب متنوّعة وقدّمت أغنيات بلغاتٍ أخرى. في حديثها مع «الأخبار»، تشير إلى أنّ برنامج الحفلة ستتخلله نكهات مختلفة من شرق أوروبي، وكلاسيك غربي، وطرب، وجاز، ولاتيني، بنحو لا يشبه أعمالها السابقة، علماً بأنّ موسيقى صالح السابقة كانت تتخلّلها قوالب لبنانية وعربية كالدبكة والموال والطرب، ويطغى على معظمها مزيج الروك والفانك من خلال الآلات الإلكترونية. يصعب في بعض الأحيان التقاط الغناء بسبب صخب الآلات، رغم أنّ صوتها يتمتع بقدرة موسيقية تنطق المقامات الشرقية البسيطة بسهولة وخفة من دون تكلف، فربما كانت هناك رمزية لهذا التناقض بين تعبيرها الهادئ عن وضعٍ صاخب لم يعد للصراخ دور فيه...
وبالحديث عن المزيج اللاتيني الذي أدخلته في أعمالها الجديدة، ترى تانيا أنّ هناك تشابهاً بين الموسيقى اللاتينية وموسيقانا الشرقية بحركتها وحيويتها الإيقاعية. غير أنّ موسيقانا تفتقر إلى الـ«الهارموني»، لكن بدمجها مع الـ«كوردات» اللاتينية، تستطيع أن تحصل على موسيقى غنية تعبّر عمّا تحبّ تانيا أن تسمع. وتضيف أنّ هذه الاعمال الجديدة تبعدها عن الصخب الذي رافقها في بعض أغانيها السابقة، معتبرةً هذه النقلة النوعية كواحدة من طرق التطور الطبيعي الذي يطرأ على الموسيقى.
اشتهرت تانيا بأسلوبٍ يجمع الكثير من القوالب الموسيقية البسيطة المستوردة من الغرب والشرق (البعض يرى في الموسيقى الشرقية ثقافة جديدة و«اكزوتيك»). غير أن في لعبة صالح مواءمة وبعضاً من التجديد في مزج القوالب، نفتقدها في تجارب موسيقية أخرى. أداؤها يقف بحيادية تجاه الحدث، تاركاً للمستمع فسحةً لتفسير شعوره تجاه الكلمات التي غالباً ما تطرح إشكاليات اجتماعية وعاطفية وواقعية ومواكبة للتغيير الذي يطرأ على المجتمع اللبناني. بعضها فكاهي، وبعضها ساخر يتطرق إلى الطائفية والمذهبية التي ضربت المجتمع اللبناني. وحتى في المجال العاطفي، تعطي صالح المرأة وجهاً آخر، ولا تتعاطى مع موضوع الحب بنحو مستهلك. في أغنية «شو؟» من ألبوم «وحدة» (2011)، نرى تجديداً نوعياً وكلامياً وإلى حدٍ ما لحنياً، حيث تتحدث بضمير المتكلم، واصفةً فتاة لم تعد وفية لحبّها، وهذه صورة لم نرها من وجهة نظر متعاطفة إلا مع فيروز في «معرفتي فيك» التي كان زياد الرحباني هو مؤلفها وملحنها. وبالعودة إلى برنامج الحفلة، ستكون هناك فرقة موسيقية أكوستيك هذه المرة، تتألّف من رافي مندليان على الغيتار، وبسام سابا على الناي، ونضال أبو سمرة على البيانو، ومكرم أبو الحسن على الكونترباص وإبراهيم جابر على الآلات الإيقاعية، تحت الإشراف الموسيقي لعبود السعدي، إلى جانب الكورال الذي سيقوده إدوارد توركيان.

«شبابيك بيروت» لتانيا صالح: 21:00 مساء غد الأحد ـــ حديقة سمير قصير، وسط بيروت




تحية | بوغوص جلاليان

مما تعدنا به تانيا صالح تحية لتجربة المؤلف والعازف بوغوص جلاليان الذي رحل في بداية عام 2011، وترك وراءه مسيرة مميزة وجادة لم يلتفت إليها كثيرون. بوغوص الذي تعود جذوره إلى أصول أرمنية، ولد سنة 1927، ووضع العديد من المؤلفات الموسيقية، وخصوصاً مقطوعات البيانو المنفرد. كان الراحل من أهم معلمي الموسيقى في النصف الثاني من القرن الماضي، وكان زياد الرحباني واحداً ممن تتلمذوا على يديه في البدايات. اشتهر جلاليان بانتمائه إلى التقاليد الكلاسيكية، وعدم انقطاعه عن الموسيقى الشرقية والأرمنية. عاش سنواته الأخيرة في المرض والعزلة، وهي العزلة نفسها التي حظيت بها مؤلفاته وسيرته.