«الكتاب»

أتصفّحُ ديوان «الكتاب» لأدونيس. الجزء الأوّل. (صدر الجزء الثاني بترجمته الفرنسيّة قبل أسبوع). كتابٌ مهيب. لا أجرؤ بعد قراءته أن أعتبر نفسي كاتباً عربيّاً. كتاب كهذا يفضح أمّيتي. كيف يكون كاتب عربيّاً ويجهل ما تنضح به عروق أدونيس عن الإسلام؟ ما يكابده؟ ما اقتطع شطراً عظيماً من حياته في استنطاقه ومجادلته والتصارع وإيّاه؟ تكاد كلّ ملاحظة فيه أن تكون معجماً مصغّراً. عن الإسلام؟ بل عن الجاهليّة وكلّ العرب. والأخطر في أوضاعنا المتفجّرة أنّ هذه التفاصيل باتت جزءاً من الحديث المتداول لأجيال اليوم، وبمعانيها التي على رؤوسها القتال.

من السهل القول إنّ هذا العالم لا يعنيني، إنّني مسيحي ولن تكون أسماء السلطة والخلافة والدم أكثر من رموز بالنسبة لي. ولكنْ مَن أنا اللامسلم في هذا الخضمّ الفاجع؟ إذا كان هذا الخضمّ لا يمثّلني فأنا طبعاً لا أمثّله.
مهما حاولتُ مجاملته.
ومهما حاول التسامح معي.
الأغوار التي يرودها أدونيس، وهو مَن هو في الجمع بين التراثيّة والحداثة والهوى الغربي، تجعلني أشعر أنا والمئات أمثالي من الهُجناء، أنّنا صَدَفٌ فارغ ملفوظ على الشاطئ.





ماذا فعل الشعر؟
يسأل أحدهم ماذا فعل الشعر حيال الدم السوري؟ العراقي؟ الليبي؟ وقبلاً اللبناني، الجزائري، الفلسطيني؟
لم يفعل ولن يفعل. وماذا فعل الشعر حيال قنبلة هيروشيما؟ والحرب العالمية الأولى؟ وجنون نابوليون؟ والحرب العالمية الثانية وجنون هتلر؟ وحرب المئة عام؟ ومجازر الثورة الفرنسيّة ومجازر الثورة البولشفيّة وستالين؟ ماذا فعل حيال الأوبئة؟ حيال السيدا؟ حيال المجاعات؟ وماذا فعل حيال مصير الإنسان؟ قفا نبكِ. سؤالٌ يتطارحه غالباً مَن ليسوا شعراء. الشاعر أمام الواقع يُسْقَط في يده كالعاشق الفاشل. الشاعر والواقع مجرّتان تبعد الواحدة عن الأخرى أكثر ما يكون. قد يختلط الشاعر بالتاريخ لكنّ التاريخ واقعٌ فوق الواقع، التاريخ واقعٌ أدبي.
أين الالتزام إذاً؟ في التضامن الإنساني. الشعر، الأدب عامّةً، نخوةٌ إنسانيّة. تدخُّلٌ حميد في مفاهيم العدل والحقّ والحريّة. التزامُ الأدب يضع المجانية في خدمة ما هو، استثنائيّاً، أحوج إليه «الآن» منها.
قد تظهر مفاعيل فوريّة للأحداث المباشرة لدى الأدباء في بيانات، مقالات. مفاعيلها الأعمق قد تتبلور بأشكالٍ ملتوية، في ما بعد، وقد لا تتبلور أبداً. الأديب وجدان. شهادةُ الوجدانِ الصامت هي أيضاً شهادة. إنْ كانت نتيجة خوف فدلالاتها عظيمة وإنْ كانت نتيجة خيانة فدلالاتها أعظم.





كريستيان ديور
أجمل ما يصنعه الرجل للمرأة هو أن يكسوها لا أن يُعرّيها. الأبعاد التي يمنحها النسيج لجسد المرأة، لا يمنحها عريها شيئاً منها. حيث ينتهي العري المباشر يبدأ العري المُتَخيَّل، والخيالُ لا ينطلق إلّا من الرداء.
أذكر، يوم مات المصمّم الشهير كريستيان ديور عام 1957، رثاء له في الصفحة الأولى من جريدة «العمل» الكتائبيّة بتوقيع «أبو الحنّ» (فؤاد حدّاد). كان «أبو الحنّ» هجّاء الصحافة الأوّل (خُطف وقُتل عام 1959 بسبب حريّة قلمه ضد عبد الناصر). من المرّات النادرة التي يتخلّى فيها «أبو الحنّ» عن «نقداته» كي يكرّس مقاله لمديح غير متوَّقع. ليت ذلك المقال محفوظ في كتاب. ليت كلّ كتابات فؤاد حدّاد محفوظة في كتاب. لقد سبق هذا الرجلُ الجميعَ إلى كلّ شيء.
ينتشي بودلير بالحديث عن مظاهر المرأة وحفيف ملابسها. يكاد يعشق تبرّجها وصورتها أكثر منها. سعيد عقل وقبله جبران ومثلهما معظم الشعراء. لماذا الشعراء؟ لأنّه الاعتصام بالمخيّلة في وجهِ مَغولِ الواقع.
بعد الحرب سأل كريستيان ديور نفسه: كيف نواجه الكآبة؟ وأجاب: بالفرح! وأطلق ما سمّي حينها «النيو لوك». كانت الفرنسيّة، تمشّياً مع ظروف الحرب القاسية، ترتدي أيَّ شيء كان كيفما كان، فقرّر بشطحةِ قلم أن يَغْسلها بالسحر ويهندسها بالفتنة. وأن يُلبسها كما يشتهيها أن تكون وكما تشتهي نفسها أن تكون. وهكذا كان. ولم تعد المرأة بعد كريستيان ديور كما كانت قبله.
أمس وجدتُ كتاباً عن ديور وضعه ممثّل مسرحي وسينمائي أحبّه هو فرنسيس هوستير. اشتريته ونعمتُ بحبّ هوستير لديور وبحبّ ديور لجسد المرأة. وتذكّرتُ «أبو الحنّ». وكيف يسبقنا السابقون.





عودة إلى «تايم»
أشياء يقال لها روايات وهي مجرّد مقالات ويوميّات، وأشياء يقال لها قصائد وهي مجرّد خواطر أو انفعالات ليس فيها من الشعر إلّا الفراغ الذي يلي الكلام.
في بدايات الجهود لاقتطاع محلّ من أجل ابتداع مكان لما سمّيناه _ نقلاً عن غيرنا _ قصيدة نثر، اقترفنا العديد من القصائد المملوءة بالهواء. كنا نحاول مجاراة أنفاسنا وكانت أنفاسنا ضيّقة فنسارع إلى القفز نحو السطر علّ فيه نجاة من الاختناق. وفي المقابل كانت قصائد النثر المكتنزة، المتلاصقة الأسطر كالمقال أو الأقصوصة، أكثر بكثير. وسوف تبقى هي المعيار الأشدّ صرامة لقصيدة النثر.
لا تقتصر هذه الملاحظة على النتاج العربي. في الفرنسيّة، وهي لغتي الأجنبية الوحيدة، الوضع أسوأ. قبل سنين نالت جائزة غونكور للقصّة... مقالة، لا أبالغ، إذا وضعنا روايات أمين معلوف حيالها تبدو ملاحم.
أذكر في مكان آخر من هذه الصفحة كتاباً للممثّل فرنسيس هوستير عن كريستيان ديور. الناشر يسمّيه رواية. وهو محض مقال مستطيل. ذكرياتٌ وتداعيات. مدائح وحماسات. معظمها بديع. ولكن أين الرواية؟
من المألوف أن يردّد الناعون «مات الشعر!». لم يعد ذلك طريفاً. الشعر يموت كلّ مرّة مئة سنة على الأقلّ. الجديد في أوراق النعي أن يقال «ماتت الرواية». ما استطعت قراءته من الروايات الأميركيّة الجديدة (المنقولة إلى الفرنسيّة) قصص بوليسيّة رديئة مُتبّلة بجنسٍ معلوك ومقالب يهوديّة. ما استطعتُ قراءته من الروايات الفرنسيّة نرجسيّات تُسابق القارئ إلى انتقادها بافتعال انتقاد نفسها.
نكاد نندم على استهجاننا قسوة مجلة «تايم» حين أعلنت قبل مدّة نهاية الأدب الفرنسي. في الواقع، وحتّى إشعارٍ آخر _ ونأمل أن يكون هناك إشعارٌ آخر _ كانت المجلّة على حقّ، خصوصاً لو أضافت إلى الوضع الفرنسي وضع الأدب الأميركي.



الخندق الغميق
طالعتُ شيئاً لم أفهمه حول شارع الخندق الغميق، ولكنْ حفظتُ منه أنّ مدافن الباشورة الملاصقة للخندق هي التي تحميه من الهدم.
نشأتُ في الخندق الغميق، بمنزلٍ يقع في الطبقة الثانية من مبنى مزدوج الشقق. لم يكن أحد يعرف المسيحي من المسلم. مقابل المبنى مدرسة أرمنيّة على بعد أمتارٍ منها خمّارة تعطّر الحيّ كلّه بروائح الخيار والبندورة. في الشارع المتفرّع صيدليّة أوزونيان. فوقها بقليل كاراكول لم أعد أذكر اسمه ومدرسة راهبات الفرانسيسكان. في كعب الشارع التياترو الكبير وقبالته جريدة «المكشوف»، عند زاوية شارع المعرض. وفي منتصف الطريق دكّانة أبو يوسف بمريوله الأبيض حول خصره وميزانه الكريم على طاولته.
في أعلى الخندق كنيسة السريان الكاثوليك. لا تزال مكانها. غير بعيد منها تأسّست في الخمسينات مجلّة «الآداب» في بيت صاحبها سهيل إدريس وزوجته عائدة مطرجي. ولسهيل رواية عن الخندق الغميق. تمشي صعوداً من جهة فتطلّ عليك البسطة ومن جهة طلائع لمنطقة لم تعد موجودة.
كان نصف بيروت في بضعة كيلومترات.
مطلع الأربعينات تفرّجتُ من نافذة غرفة الاستقبال على الطائرات البريطانيّة تُلقي المناشير الداعية إلى تأييد الحلفاء. ولما بدأت تقصف مواقع جيش فيشي أخذنا أبي إلى بلدة صليما هرباً من الغارات.
لم يكن بيتنا جميلاً. كان معتماً. وكنّا غالباً على ضوء القنديل لا الكهرباء. ورغم كونه في قلب الشارع لم نشعر بضجيج. كان أقوى الأصوات صوت بيّاع الجرائد وهو يصيح: «تلغراف! تلغراف! قنبلة ذريّة على اليابان!».
ما استحقّ الخندق الغميق اسمه كما يستحقّه اليوم. نهاراً هو ضلع من ليل وليلاً حطام باخرة تتبادل أشباحها الإشارات.
كلّما مررتُ به شرقتُ بالدمع. أمّي وأبي. أخي وأختاي. الحياة مَحييّة من برج الشبّاك. الخوف دافئاً.
وإذ لا أراني وراء الشبّاك أحسّ بخيانة. الولد لا يغادر مطارحه.
خندق البداية الغميق.
اليوم في حمى الباشورة.



مسافة الطريق


يجلس يمينها في السيّارة فتنطلق إلى الأماكن الشرعيّة: مطعم عام، منزل عام للوحشة.
ازداد الرجل اعتياداً، مثل كل حيوان أليف، وازدادت المرأة استغراقاً في أهدافٍ أخرى.
الرجل مثير للشفقة عندما يلعب ورقة الزمن بينما الزمن ينزف منه كما ينزف الدم من الذبيحة. وإضافة إلى كونه يحاول اجتياز الأوقيانوس في المنام، تُنسيه حماقته أسوأ تمييز عنصري يقع ضحيّته، وهو هاوية العمر.
إذاً، ماذا تبقّى؟ تَشبُّث الوداع بالمُشيِّع.
كم كان سيضحك الإنسان لو عرف من البداية إلى النهاية أنّ ما يعذّبه وما يريده هو صورة.
الصورة هي المحبوبة. صورة المرأة كما تأتيك جاهزة.
ماذا تعرف عن باقي المرأة؟
مسافة الطريق...