كان | انتظرت السينما العربية ٣٨ عاماً، على أمل الحصول على سعفة ذهبية ثانية بعد تلك التي أحرزها المعلم الجزائري الكبير محمد لخضر حامينا عام 1975، عن رائعته «وقائع سنين الجمر». وإذا بالسينمائي التونسي عبد اللطيف قشيش يهدي السينما العربية ثلاث سعفات دفعة واحدةً! لم تكن المفاجأة التي أعلن عنها أمس رئيس لجنة تحكيم «مهرجان كان السينمائي» الـ 66 ستيفن سبيلبرغ أمراً معتاداً في أعراف المهرجان العريق. حين قال صاحب المخرج الأميركي إنّ اللجنة قررت منح ثلاث سعف بالتساوي، علا الصفير في القاعة لأنّ الجميع اعتقد بأنّ الأمر يتعلق بمكافأة ثلاثة سينمائيين دفعةً واحدةً، ما يعني أنّ لجنة التحكيم لم تستطع حسم خياراتها. لكن الصفير سرعان ما انقلب إلى عواصف من التصفيق والتهليل، حين أوضح سبيلبرغ أنّ الأمر يتعلق بثلاث سعف لفريق فيلم واحد: سعفة للمخرج عبد اللطيف قشيش، وسعفتان أخريان لبطلتي فيلمه «حياة أديل»، ليا سيدو، وأديل إكزارشوبولوس اللتين جسّدتا دور مراهقتين تجمعهما علاقة حب مثليّة عاصفة.

خيار لجنة التحكيم احتاج الى تفويض خاص من إدارة المهرجان لأنّه لم يسبق أن نال أي ممثل السعفة التي تكافئ مخرج الفيلم الأكثر تميّزاً في كل دورة. لكن هذه الخطوة الاستثنائية كان لها مبررات فنية وسياسية عدة. من خلالها، كافأ المهرجان موهبة عبد اللطيف قشيش (مكفّراً بذلك عن ذنب عدم قبول رائعته «كسكسي بالسمك» عام ٢٠٠٧)، ويكافئ أيضاً موهبة وجسارة ممثلتيه الشابتين. لكن الدافع الرئيس كان ـــ بلا شك ـــ رغبة المهرجان في عدم الرضوخ للضغوط والتناقضات التي انطلقت قبل يومين، بعدما بدأت تكهنات النقاد ترجّح فوز قشيش. تساءلت بعض وسائل الإعلام الفرنسية، بما فيها صحف يسارية مرموقة («لوموند» نموذجاً): هل من اللائق منح «السعفة الذهبية» لفيلم قشيش الذي يتناول من دون مواربة قصة حب مثلية عاصفة، في الوقت الذي تشهد فيه فرنسا تظاهرات ضخمة ضد قانون «الزواج للجميع» الذي يجيز زواج المثليين؟ بمنح سعفتين رمزيتين لبطلتي «حياة أديل»، أثبت «مهرجان كان» أنّه لا يزال بالفعل قلعة للإبداع والفكر الحر الذي لا يتوانى عن التجذيف ضد التيار، بدلاً من مسايرة «الهوى الاجتماعي الغالب».
هذه السعفة الثلاثية التي منحت لقشيش وممثلتيه، وسماها النقّاد على الفور «سعفة الحرية»، حجبت الأضواء عن بقية الجوائز. لم ينتبه أحد إلى الغائبين الكبار الذين استبعدت أفلامهم (ستيفن سودربرغ، جيمس غراي، رومان بولانسكي، فرنسوا أوزون، أرنو ديبليشان...). ضاعف من تسلّط الأضواء على سعفة قشيش غياب الأخوين كوين اللذين نال فيلمهما «داخل لوين ديفيس» الجائزة الكبرى. لم تخالف بقية خيارات الجوائز في أغلبها توقعات النقاد. أحرز الياباني هيروكازو كوري ــ إيدا جائزة لجنة التحكيم عن فيلمه «الابن شبه أبيه» (راجع المقال أدناه)، ونالت رائعة أصغر فرهادي «الماضي» جائزة أفضل أداء نسائي للفرنسية بيرينيس بيجو، وعادت جائزة أفضل ممثل الى بروس ديرن عن دوره في فيلم «نيبراسكا» لأليكسندر باين.
وكما جرت العادة، لم تخل الجوائز من مفاجآت لم يتكهّن بها أحد سلفاً. وتمثلت مفاجآت هذه السنة في جائزتي السيناريو والإخراج اللتين منحتا على التوالي للصيني جيا تشانغ عن فيلمه «لمسة خطيئة» الذي يروي تمرد عامل منجم صيني ضد الاستغلال والفساد الإداري. ونال المكسيكي أمات ايسكالانتي جائزة أفضل مخرج عن فيلمه «هيلي» الذي يروي قصة صراع ينشب بين فتاة مراهقة تدعى «استيلا» وعائلتها على أثر ارتباك المراهقة بقصة حبّ مع مُتَّهم بالفساد والاتجار بالمخدرات.
وعكست الجائزة التي منحت لهذا الفيلم المكسيكي توجهاً غالباً في هذه الدورة، يتمثل في تيمة المراهقة المعذبة التي ألقت بظلالها على أفلام هذه الدورة، بدءاً بفيلم قشيش الحائز السعفة (اكتشاف المثلية في سن المراهقة)، مروراً بـ«ماضي» أصغر فرهادي (مراهقة تعاني من طلاق والدتها وترفض خطيبها الجديد)، وفيلم «الولد شبه أبيه» الحاصل على جائزة لجنة التحكيم، وصولاً الى الأفلام التي لم تنل حظها من الجوائز، كفيلم فرنسوا أوزون (صغيرة وجميلة) أو التي عرضت خارج المسابقة، مثل فيلم صوفيا كوبولا (The Bling Ring).




إنّهم الأكثر شجاعة

خلال المؤتمر الصحافي الذي أعقب فوزه بـ «السعفة الذهبية»، أهدى عبد اللطيف قشيش جائزته إلى الثورة التونسية و«إلى الجيل الجديد من شباب العالم المتطلعين إلى الحرية والإنعتاق». وأضاف أنّ الجيل الحالي من الشباب بأشكال نضالاته الجديدة، «هو أكثر شجاعة بكثير من الجيل الذي نشأت فيه أو معه». وكان لافتاً لدى اعتلاء عبد اللطيف قشيش خشبة المسرح لاستلام جائزته مع بطلتيه، أنّه بدا مرتبكاً جداً، بابتسامة خفرة. وقد اعتذر من الحضور قائلاً إنّه «بطيء بعض الشيء، ويستغرق وقتاً حتى يقدر على قول ما عنده».