بعيداً عن حمى الجوائز، وما تثيره خيارات لجان التحكيم كل سنة من تجاذبات، غالباً ما ينصبّ السؤال الأبرز عند القيام بجردة حساب لحصاد كل دورة على معرفة ما سيبقى ماثلاً في ذاكرة الفن السابع من بين الأفلام. الأفلام الأكثر تميزاً هذه الدورة حملت تواقيع أربعة سينمائيين أميركيين (الأخوان كوين، ستيفن سودربرغ، جيم جارموش، جيمس غراي)، ويابانيان (تاكيشي مايكي، هيروكازو كور إيدا)، وفرنسيّان (فرنسوا أوزون، أرنو ديبليشان)، إضافة إلى مخرجين من الشرق كأصغر فرهادي (جائزة أفضل ممثلة لبيرينيس بيجو عن دورها في فيلمه «الماضي»). الأميركيون الأربعة يمثلون السينما الأميركية في أوجها الأكثر تألقاً ومغايرة للأنماط التجارية الهووليودية. عرّابا السينما الأميركية المستقلة الأخوان كوين، قدما رائعة مستوحاة من سيرة نجم الفولك النيويوركي لوين ديفيس بعنوان «داخل لوين ديفيس» (الجائزة الكبرى). بينما استوحى ستيفن سودربرغ «خلف الشمعدان» من سيرة موسيقار آخر هو عازف البيانو فالنتينو ليبيراس.

جيمس غراي عاد هذه السنة بفيلم ذي نفس إنساني مؤثر، يحمل عنوان «المهاجر» يروي رحلة عائلة يهودية بولندية فقيرة تهاجر الى نيويورك في عشرينيات القرن الماضي. أما جيم جارموش، فقد كان «وحدهم العشاق بقوا أحياء» بمثابة قصيدة حب الى طنجة. وكالعادة، تدور عوالم صاحب «أغرب من الجنة» في فضاءات مغلقة، وسط أجواء سوداوية مفعمة بالشجن والقلق الوجودي، حيث تحتل الموسيقى مكانة مركزية.
الياباني تاكيشي مايكي قدم في Wara no tate قصة تنضح بالعنف عن ملياردير ياباني ينشر إعلاناً بمكافأة مالية لمن يأتيه برأس قاتل ابنته، ما يطلق في أثر هذا الأخير عشرات الراغبين في قطف رأسه، وتتحول المطاردة إلى ما يشبه فيلم ويسترن تدور رحاه في شوارع طوكيو. أما هيروكازو كور إيدا، فقد اختار في شريطه «الابن شبه أبيه» Tel Père Tel Fils (جائزة لجنة التحكيم) تيمة مغايرة عبر قصة تمزّق عائلي قاسٍ لوالدين يُبلغهما الأطباء بأنّ طفلهما البالغ 6 سنوات ليس ابنهما الحقيقي. فرنسوا أوزون عاد الى عوالم المراهقة التي كانت التيمة الأثيرة لأعماله الأولى، وتناول في «صغيرة وجميلة» قصة مراهقة تقودها رحلة التمرد الى الوقوع في شبكات دعارة. لكن الحفاوة التي استقبل بها الفيلم نغّصها تصريح غريب اعتذر عنه المخرج لاحقاً، حين قال إنّ جميع النساء يحملن في أعماقهن نوعاً من الاستعداد الفطري للدعارة!
من جهته، قدّم أرنو ديبليشان رائعة بعنوان «جيمي ب» تألق فيها بينيثيو ديل تورو (في دور جندي من جرحى الحرب العالمية الثانية) وماثيو أمالريك (طبيبه النفسي)، فضلاً عن جماليات صوره ورؤيته الإخراجية، أبهر الفيلم جمهور الكروازيت بفضل الأسلوب الحميم الذي اعتمده لنكء جراح الذاكرة التاريخية للقارة العجوز.