الحضور العربي في «مهرجان كان» اتسم بالكثير من التنوع. رؤى إخراجية متعدّدة ومضامين وأساليب فنية متباعدة. لكنّ السينما العربية تركت ــ بإجماع النقاد هنا ــ بصمة مميزة ستبقى ماثلة في ذاكرة الدورة الـ66. علم فلسطين وقضيتها احتلا مكان الصدارة على الكروازيت، بفضل فيلمين ساحرين، شكلاً ومضموناً، سواء من حيث نبرتهما العالية في التصدي لجرائم الاحتلال والدفاع عن الحق في المقاومة، أو من حيث قدرتهما على استقطاب الاهتمام وإيقاظ الضمائر ولغتهما البصرية المكثّفة التي أغنت جمهور الكروازيت عن أي خطاب إيديولوجي مباشر، كان من شأنه أن يحدّ من انتشار الفيلمين لدى المتلقّي الغربي.


فيلم «عمر» لهاني أبو أسعد الذي عرض ضمن التشكيلة الرسمية في تظاهرة «نظرة ما» (الفعالية التوأم لسباق «السعفة الذهبية»)، وأحرز جائزة لجنة التحكيم الخاصة، تناول قصة ثلاثة شبان يؤسّسون فرقة فدائية لقنص جنود الاحتلال المكلّفين بحراسة جدار الفصل العنصري. لكن الفدائيّين الثلاثة، على رأسهم عمر الذي تطارده استخبارات الكيان الغاصب وتسعى إلى الإيقاع به في فخّ التعاون مع العدو، ظهروا في وجه إنساني سحرَ المتلقي غير المعني مباشرةً بالقضية الفلسطينية. أُبهر جمهور الكروازيت بقصة العاشق الفلسطيني الذي يضطر يومياً إلى تسلّق أسوار جدار الفصل للقاء حبيبته. الحماسة والحفاوة اللتان استقبل بهما الجمهور والنقّاد الفيلم، تُرجمتا في خيارات لجنة التحكيم من خلال منحه ثاني أهم جوائز «نظرة ما». لكنّ ذلك لم يمنع من التساؤل: لماذا حُرم «عمر» من دخول السباق على «السعفة الذهبية»؟
الفرصة التي لم يحظ بها هاني أبو أسعد، انتزعها مواطناه محمد وأحمد أبو ناصر اللذان دخلا مسابقة «السعفة الذهبية» للفيلم القصير، بعملهما التجريبي Condom Lead. صُوَِّر الشريط خلال «عملية الرصاص المصبوب» الإسرائيلية على غزة، وأبرز إرادة الحياة والصمود الفلسطينية. الروح التجريبية المفعمة بالثقافة الرقمية الشبابية جعلت الفيلم يحظى بشعبية في الأوساط الإعلامية والنقدية على الكروازيت التي رأت في هذا العمل إيذاناً بولادة مخرجين سيكون لهما شأن كبير في الأعوام المقبلة (راجع الكادر).
في مسقط رأسه في كردستان العراق، صوّر هينر سليم ثالث عمل سينمائي له يعرض على الكروازيت، بعنوان «بلدي الحارة الطيبة» My Sweet Pepper Land. لكن صاحب «فودكا ليمون» خرج بخفي حنين من مسابقة «نظرة ما» التي عرض فيها فيلمه، بالرغم من روح الفكاهة السوداء التي منحت عمله ألقاً خاصاً.
سينمائيو المهجر العرب كان لهم حضور بارز في التشكيلة الرسمية. الجزائري محمد حميدي قدم (خارج المسابقة) فيلماً من بطولة النجم الكوميدي جمال دبوز، بعنوان «وُلد في مكان ما». يروي الشريط رحلة تيه شاب من أصول مهاجرة يُبعد من فرنسا بقرار من القضاء، فيجد نفسه غريباً عن موطن والديه الأصلي في المغرب.
أما المشاركة العربية الأكثر استقطاباً للأضواء وإثارة للجدل، فتمثلت ــ بلا منازع ـــ في رائعة عبد اللطيف قشيش الجديدة «حياة أديل» التي نافست على «السعفة الذهبية» وانتزعتها. في الوقت الذي تشهد فيه فرنسا تظاهرات يمينية متطرفة ضد قانون تشريع زواج المثليين تزداد عنفاً كل أسبوع، استطاع قشيش سرقة الأضواء، رغم موجات الانتقاد التي وجهت لفيلمه كونه يتناول قصة حب مثلية بين مراهقتين. ورغم طول الفيلم (أكثر من ثلاث ساعات، وبالرغم من أنّ إدارة المهرجان اشترطت اختصار ثلث ساعة من مدته الأصلية)، نجح قشيش في مراوغة منتقديه. انتزع موجات حادة من التصفيق، بفضل أسلوبه الفريد في نحت شخوصه ورسم مشاهد أفلامه ذات النفس الطويل والإيقاع البطيء. لكنّ الفيلم ينبئ بموجات إضافية من الجدل عند طرحه في الصالات في أيلول (سبتمبر) المقبل.
ولا يمكن أن نختم حصاد الحضور العربي في «كان» الـ66 من دون التوقف عند رائعة جيم جارموش «وحدهم العشاق بقوا أحياء» التي صوِّرت مدينة طنجة بشكل ساحر وغير مسبوق، بالرغم من الأعمال الادبية والسينمائية الكثيرة التي أنجزت عن «الساحرة الأطلسية». وفي ختام الفيلم، أدت اللبنانية ياسمين حمدان وصلة غنائية مبهرة، لخّصت روح الشريط وعكست بامتياز أبحاث جارموش الدائمة حول ماهية الفن ودور الابداع الفكري في إنقاذ البشرية من براثن الشرّ المتأصل فيها.




zoom | أهلاً برسولوف

يحكي فيلم «المخطوطات لا تحترق» قصة مؤلف ومعتقل سياسي يتمكّن سراً من كتابة مذكراته، على الرغم من الرقابة التي تفرضها الدولة عليه. العمل السينمائي هو للمخرج الإيراني محمد رسولوف (1972) الذي استطاع تصويره سراً في إيران بعدما حكم عليه بالسجن عام 2010 لمدّة ست سنوات، ومنعه من التصوير والسفر لمدة عشرين عاماً بسبب إدانته بالدعاية ضد النظام، ليتم في ما بعد خفض فترة سجنه لعام واحد بعد الاستئناف. وقد حضر رسولوف إلى «مهرجان كان» أخيراً برفقة بعض الممثلين وفريق العمل، لكن تمّ حجب أسمائهم لتفادي المشاكل مع السلطات الإيرانية، فيما عرض شريطه ضمن تظاهرة «نظرة ما».