نذهب إلى محترف يوسف عبدلكي في سوق ساروجة، وسط دمشق القديمة، مدفوعين بإغواء بعض أعماله الجديدة المنشورة في موقع «الفن والحرية». الجحيم السورية لا تسمح بإقامة معرض في غاليري مفتوحة، وفي المقابل لا يرغب هذا التشكيلي السوري المتفرّد بعرض أعماله خارج البلاد في غياب من يعنيه الأمر مباشرة. في الواقع، إنه يعيش حيرة مزدوجة حيال مصير هذه الأعمال «صعوبة عرضها في دمشق أولاً، وفقدانها مشتلها الأصلي في الخارج ثانياً» يقول. يصمت طويلاً قبل أن يستعيد حادثة قديمة تتعلّق بمعرض أقامه في «صالة الشعب» أواخر السبعينيات، وكان بين تلك الأعمال لوحة بعنوان «دمشق سبت الدم»، وأخرى بعنوان «خمسة»، في إشارة إلى إعدام خمسة من أعضاء المنظمة الشيوعية العربية، أمام فندق «سميراميس». طوال المعرض، كان والد أحد الشهداء (غياث شيحا) يحضر يومياً، لا يكلم أحداً، ولا يختلط بأحد حتى تغلق الصالة أبوابها مساءً «كأن هذا المجيء المتواصل، يؤكد للأب أنّ هناك من لم ينسَ ابنه».


يضيف شارحاً فكرته «متى فقد العمل الإبداعي، أو الثقافي عامةً علاقته مع محيطه، يفقد شرعيته وجدواه». لا نعلم سرّ شغف عبدلكي بالأسود. العلاقة مع هذا اللون تبدأ من باب المحترف، ثم الأبواب الداخلية، والنوافذ، وأعمدة السقف. في أعماله الجديدة، لم يتخلَّ عن قلم الفحم، عدا لطخات بالأحمر تقتحم صور الشهداء. حتى حين يرسم طبيعة ميتة، سوف يسيل الأحمر من مكانٍ ما. لدى مراجعة أعماله التي أنجزها قبل الثورة السورية، ومقارنتها بما تلاها، يبدو هذا الغرافيكي الصارم بأسماكه المثبّتة بالمسامير، وأزهاره الذابلة، وطيوره الميتة، وأحصنته المقيّدة، كأنه يستكمل نفيره الأول الذي بدأه منذ عقد ونصف عقد. هناك لمسات إضافية، استدعتها قوائم الشهداء، ونافورة الدم المفتوحة منذ سنتين. سننتبه إلى جدارية ضخمة تختزل جوانب من المأساة السورية: قدّيس ممدّد بخشوع فوق محفّة في «جامع الحسن». وفي عمل آخر بعنوان «أم الشهيد»، ستحدّق بنا هذه المرأة المكلومة بصرامة واتهام وأسى، فيما يحتشد الجدار خلفها بصور الغائبين. السمكة يحيط بها حبل مشدود بإحكام. يزداد أرشيف الموتى قتامة وثقلاً، عملاً وراء الآخر، في جناز طويل. لا يحتاج عبدلكي إلى تبرير فكرة الموت في أعماله، بوجود «فاتورة مريعة مثقلة بأسماء نحو 100 ألف شهيد، عدا المفقودين والمعتقلين، وهذا ما يكشف نبل هذا الشعب من جهة، ودرجة العنف الذي تمارسه السلطة من جهة أخرى» يقول. هكذا ذهب إلى توثيق تراجيديا الموت بوصفها «حادثاً مأساوياً بحق الأفراد». لن نجد منعطفاً صريحاً، في الأعمال الجديدة، سواء لجهة العناصر، أم لجهة التقنية. يقول: «مراجعات من هذا النوع لا تجري بقرار، فهي تحتاج إلى وقت طويل، لا تنسَ أن أوجين دولاكروا، لم ينجز لوحته «الحرية تقود الشعب» إلا بعد مرور ربع قرن على الثورة الفرنسية، وحدث عظيم مثل الثورة السورية، لا يمكن أن ينضج إبداعياً بهذه السهولة. من يطالب بفواتير فورية لمصلحة الحراك الراهن، على صعيد أدوات التعبير، فهو ينتمي إلى ورشة من المراهقين الصغار في الثقافة والسياسة، لا يعوّل عليها». وفي استرجاع سيرته التشكيلية والتحديات التي واجهته لجهة غياب البهجة اللونية عن أعماله، يسارع إلى القول: «لم يسبق أن أقحمت مفردات دخيلة على لوحتي لمواكبة موجة، أو مجاراة موضة. أنا أترك العوامل الخارجية تتفاعل داخلياً، وتُطبخ على مهلها. قناعاتي العميقة، لم تأخذني إلى مكان آخر غير الذي أشتغل عليه، أقصد هذا الإحساس الفاجع بالموت، في الأمس واليوم». هذه الفجيعة تتناسل من العتمة عبر ضربات نزقة في معالجات غرافيكية صارمة تنطوي على قدرة عالية على الإتقان والكثافة البصرية المكتنزة بالإشارات، رغم التقشف الظاهري للموجودات على السطح، فوراء هذه السكينة المراوغة، والموت المجلل بالصمت والعزلة والسخط، يكمن «جرح الأم المفتوح، وغصّة الأب المكتومة، وفجيعة الأخوة والأصدقاء». يضيف عبدلكي مستطرداً: «الموت يشدّ أعصابي إليه، لانعدام العدالة فيه، حتى لو انتصرت الثورة بعد ساعة». هناك ما يستدعي في هذه المساحة السوداء الكتيمة، تجربة الإسباني غويا (1746 ـ 1828) في «النزوات» لجهة تعانق الأبيض والأسود، والجدل بينهما، والهجاء اللاذع للعنف، والهلع من الموت. لعل ما قاله إدواردو غاليانو عن غويا في «الرسوم السوداء» يلامس اشتغالات عبدلكي. بعدما جرى نزع رسوم غويا عن الجدران، ونقلها إلى القماش، قُدّمت من دون طائل في «معرض باريس الدولي»، ولم يهتم أحد برؤيتها، وأقلّ من ذلك بشراء تلك النبوءات الشرسة للقرن التالي، حيث الألم يقتل اللون، ويتبدى الرعب دون حياء بوجهه الحي. متحف البرادو رفض شراءها أيضاً، إلى أن دخلت إليه عام 1882 كهبة. اللوحات المسماة رسوماً سوداء تشغل اليوم أكثر قاعات المتحف ارتياداً. حينها قال غويا «إنني أرسمها لنفسي». لم يكن يعلم أنه يرسمها لنا». نتأمل أعمال يوسف عبدلكي مرّة أخرى، ربما كي نختزن بعضاً من تلك النبوءات الشرسة لهلاكنا المقبل.