تبحث لميا جريج (1972) عن أثر الزمن على جسدها الخاص وعلى بيروت في معرضها «سجلات لأزمنة ملتبسة» المقام في «غاليري آرت فاكتوم». يمارس المعرض فعل التشريح وتتبّع الأثر كوسيلة تفضي إلى الإدراك في جسد المدينة كما في جسدها وفق طرح الفنانة. ينطلق العمل زمنياً من الحرب الأهلية ويقدّم قراءة للحاضر في ضوئها، ليصبّ في مستقبل سوداوي هو مستقبل الاختفاء والموت. أتى اختفاء بيروت وفق المعرض في عام ٢٠٥٨. هذا الاستنتاج يستند إلى قراءة تاريخ الحاضر عبر أساليب الماضي، معلناً قطيعة مع السنوات العشرين الأخيرة وتقلّباتها التي اختفت من تاريخ المدينة في المعرض.


«تطريس بيروت - متحف» مشروع يستند إلى مبنى المتحف الذي تسكن الفنانة على مقربة منه. خلال الحرب الأهلية، تعرّض المتحف الذي يقع على معبر رئيسي كان يفصل بيروت الشرقية عن الغربية، للقصف والاحتلال. حينها، أُنقذ جزء كبير من مقتنياته، فيما أحرق وأتلف بعضها الآخر. خلال بحثها في أرشيف المتحف شبه المفقود، استوقف الفنانة ثقب أحدثه قناص في جدارية فسيفساء «الراعي الصالح» داخل المتحف، استطاع حينها السيطرة منه على المعبر. ذلك الثقب تحوّل في أعمال جريج إلى منظور تعيد من خلاله قراءة تاريخ المدينة في الحاضر عبر منحوتة «غرض حرب» التي تملأ فيها فراغ الثقب، فيما يُظهر فيديو «مطل حديقة ١٨٠ درجة» المساحة المكشوفة عبر الثقب، ساحة القتل. كذلك استعانت بكاميرا «بين هول» لتنتج صور نيغاتيف نرى فيها بيروت عبر الثقوب، مدينة أشباح. أما في نقد غياب الأرشيف في المتحف الوطني، فقد وضعت مجلداً أسود ضخماً ضمن مكعب زجاجي مقفل يحمل عنوان «مفقودات متحف بيروت الوطنيّ»، وإلى جانبه صورة كبيرة لجميع العناوين التعريفية بالآثار المعروضة في المتحف حالياً تحت عنوان «كل المقتنيات من متحف بيروت الوطني».
القنص والمعابر والأرشيف والحرب مواضيع قد تكون من الأكثر تداولاً في مختلف الفنون في لبنان منذ ٢٣ سنة. وقد نجحت جريج في تدوين معلومات جديدة عن نقطة قنص تضاف إلى «مبنى بركات»، و«برج المرّ»، والـ«هوليداي إن»... لكن ما الذي يمكن أن تضيفه قراءة بيروت اليوم من منظار قنص الحرب الأهلية وتأثيره على فهم حاضرها ومستقبلها؟
يترجم «تطريس بيروت - متحف» عدم قدرة على مجاراة تحوّلات المدينة في الحاضر. ليس المقصود تجاهل فظاعة الحرب، أو ادعاء نظرة إيجابية، بل أن نكون على مقربة من أدوات قنص جديدة استحدثتها تقلبات بيروت، ومعابرها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.
من الآثار التي تحاول التقاطها في المدينة، تعود جريج إلى الكائن الكامن في جسدها، لكونه جزءاً من تلك المدينة ومحتضناً للقلق. تبحث جريج في جسد المدينة وفي جسدها عن أثر، عن لحظة تساعدها على تخطي قلقها. قلق يتجاور فيه النوم مع الموت. «ليلة نوم»، سلسلة فوتوغرام بقياس جسد جريج، تلتقط كل واحدة بصمة حركة جسدها وهي نائمة على ورق فوتوغرافي. وتعرض كذلك منحوتات لـ«قلب أسود» تستعيرها الفنانة من مراسم الدفن الفرعوني، وسلسلة حفر طباعيّ لـ«دودة قز»، كعناصر كثُر استهلاكها في الدلالة على الموت. لتبقى لوحات «بلا عنوان» المجسّدة عبر رسومات تجريدية لأعضاء جسديّة الأكثر جماليةً وبلاغة. أما في الطابق السفلي، فتشرح جريج تاريخ بيروت من عام ١٢٠٠ ق.م. إلى عام ٢٠٥٨ في «بيروت تشريح مدينة». على جدارين بزاوية ٩٠ درجة، نرى ــ عبر نصوص وفيديوات ــ محطّات تعيد سرد قصص الغزوات والكوارث الطبيعية التي شكّلت المدينة، إلى جانب مداخلات شخصية للفنانة على التسلسل الزمني الممتد منذ ١٢٠٠ ق. م. إلى الماضي القريب. سرد لا يضيف الكثير إلى القراءة التقليدية لتاريخ بيروت المعروف. لكن الفيديو الأخير في التجهيز الذي تظهر فيه الفنانة مع لانا ضاهر، يحاول رسم صورة عبثية تتفلت من الزمن، وتفتح أفق قراءة جديدة للمدينة، رغم ضبابيتها التي تشكل حاجزاً أمام التواصل مع المشاهد. وفي ختام الخيط الزمني، تقدم جريج فيديو يترجم قلقها المستقبلي عبر مشهد من البحر لبيروت المختفية في عام ٢٠٥٨، فيما يبقى اختيار التاريخ لغزاً.
تاريخ بيروت موضوع يشغل جريج، مثلما شغل جيلاً من الفنانين اللبنانيين خلال فترة ما بعد الحرب حتى اليوم. لكن «سجلات لأزمنة ملتبسة» بقي أسير التباس الأزمنة السابقة، وبعيداً عن محاورة المدينة في حاضر ما بعد الحرب، ربما علينا اليوم أن نحاول قراءة تاريخ تقلبات المدينة المعاصرة، ومحاورتها، لتفادي الوصول إلى بيروت لميا جريج في عام ٢٠٥٨.




«سجلّات لأزمنة ملتبسة»: حتى ٣٠ أيار (مايو) ــ «غاليري آرت فاكتوم» (الكرنتينا ـ بيروت) ــ للاستعلام: 01/443263