ينحت غسان الخالد مصطلحاً جديداً لواقع الديموقراطيات العربية هو «البدوقراطية ـــ قراءة سوسيولوجية في الديمقراطيات العربية» (منتدى المعارف ـــ بيروت). قراءة سوسيولوجية في فحص أنماط الحكم في العالم العربي، والمعوقات التي أطاحت المحاولات الديموقراطية في بعض البلدان العربية، وخصوصاً تلك التي بشّرت بالديموقراطية المركزية، وأوّلها حزب «البعث العربي الاشتراكي».

الحزب الذي اتكأ في أدبياته على مفهومي الحرية والثورية، سيقع باكراً في «فخ الديكتاتورية» كنتيجة لاحتضان عسكر الفكر القومي، وتفريغه تدريجاً من محتواه الأصلي بنسف المجتمع المدني لمصلحة «مجتمع العسكريتاريا»، بالإضافة إلى مساهمة الغرب في مناهضة «اللحظة الديموقراطية» من خلال إحياء القوى التقليدية مثل القبلية، والطائفية، والتحالف مع القوى الإسلامية، ما أدى إلى إجهاض المشاريع التحررية والتحديثية.

يرى الباحث اللبناني أنّ المفكّرين العرب تجاهلوا في أطروحاتهم حول الديموقراطية، البيئة الجغرافية التي تحتضن هذه الأحزاب، وهو ما وضعها ـــ في الواقع ـــ حيال ثنائية متناقضة في جوهرها (تقليد/ حداثة)، وتالياً، فقد وجدت نفسها مأسورة إلى شخصية الزعيم الأوحد، فإعلاء شأن «المخلّص» أدى عملياً إلى تجاهل مفرزات التسلّط والاستبداد التي واكبت صعود الأنظمة الاشتراكية وملحقاتها الأمنية. هكذا، عملت المؤسسة الأمنية على فرض نفوذها الفجّ على مجريات الحياة اليومية، وغيّبت مؤسسات المجتمع المدني، وأقصت كل ما لا يتواءم مع توجهاتها، لتكتمل صورة حكم العسكر، في موازاة الحكم القبلي والديني في جغرافيات ملكية عربية. عدا إشكالية الدولة والمجتمع المدني، واحتكار العنف الشرعي، سنجد أنفسنا أمام معضلة أخرى هي «الشوراقراطية». هذا المصطلح الذي سعى بعض المفكرين الإسلاميين إلى ترويجه بديلاً للديموقراطية الغربية في إطار محاولاتهم في التجديد والمعاصرة بقصد ردم المسافة بين الديموقراطية والشورى التي وردت في النصوص الإسلامية. لكنّ تحسين الصورة ــ كما يشير الباحث ــ أوقع هؤلاء المفكرين في «متاهة تحديث الإسلام، أو أسلمة الحداثة». ويتساءل: «هل الشورى واجب شرعي؟». الإجابة عن أسئلة الشورى ستقودنا مجدّداً، إلى تناقضات الفكر السياسي الإسلامي، وخصوصاً في مسألة فصل الدين عن الدولة، وإشكالية الأمة والدولة. يذهب بعضهم إلى القول بأن الدولة مجرد «ولاية» من ولايات الخلافة، ويتسع الاختلاف بين مفهومي الديموقراطية والشورى، إزاء الأسئلة التي تتعلق بحقوق الإنسان، والحريات الفردية، والمساواة بين الجنسين، وما القبول بالديموقراطية إلا وسيلة مؤقتة للوصول إلى الحكم من طريق الانتخابات. هناك أيضاً «الديموقراطية التوافقية» في نموذجها اللبناني، وهو نموذج ملتبس يفتقر إلى مسار واضح بتأثير «صراع الطوائف، وعقم فهم الواقع السياسي، والإخلال بمبدأ المشاركة السياسية الفاعلة لمكوّنات المجتمع اللبناني».
لكن ما هي العقبات الأخرى التي تواجه أشكال الديموقراطية عربياً؟ يجيب غسان الخالد: «لا بد من العودة إلى الموروث الثقافي المتعلق بالسلطة، وهو العصبية القبلية». مقاربة الديموقراطية عربياً تستدعي هنا، مرادفات تتعلق بمفهوم السلطة، أو «المُلك» الذي يحتاج بدوره إلى القوة والاستبداد والطاعة، وكذلك التحالف بين العصبية والدين. وقياساً على ذلك، إن نماذج الديموقراطيات العربية في أحسن أحوالها، هي «قبلية متجددة بالمعنى السياسي» تتناسل منها المجالس القبلية، والمشيخات الوراثية، والمشيخات الانتخابية، كما في الدول الخليجية عموماً. مشيخات تستأثر بالسلطة من خلال التحكم بالموارد الاقتصادية للدولة، ولجم تطلعات الزعماء الطامحين إلى السيطرة. هذه الآلية في الإنفاق، هي التي أنتجت أيضاً «الدولة الريعية» التي أفرزت لاحقاً «ظاهرة الدولة التسلطيّة». لا فرق إذاً، وفقاً لما يراه هذا الباحث بين العشيرة والدولة الريعية لجهة الأهداف، ذلك أنّ النخب الحاكمة في الدول الريعية، تنتمي في الواقع، إلى عائلات، أو بيوت سياسية، وصلت إلى الحكم من طريق الانقلابات العسكرية، أو الوراثة، وتعطيل الانتخابات الحقيقية، وتجاوز القوانين لعدم استقلالية القضاء، وهي سمات تتشابه مع «ذهنية الموروث القبلي»، وهذا ما يستدعي سؤال إشكالية المواطنة في الدولة الحديثة.
في الموروث التاريخي العربي، لا وجود ملموساً للمواطنة، فالفكر القبلي بطابعه الشمولي، وكذلك الفكر الإسلامي، استبعدا الفرد لمصلحة «أهل الرأي». وتالياً، إن العامة، أو «الرعية» مستبعدة من عملية اختيار «الإمامة» أو المشاركة السياسية. حقوق الأفراد تذوب في إطار مصلحة الأمة. ويلفت الباحث إلى أن ما يشهده العالم العربي اليوم من حركات احتجاجية، هو ترجيع إلى أزمة المواطنة في المقام الأول. أزمة رسّخها الحكم التسلّطي باختراق الدساتير، وغياب المشاركة السياسية الحقيقية أمس واليوم و«وصول التيارات الإسلامية إلى السلطة ينبغي ألا يعطينا جرعة تفاؤلية في المسألة الديموقراطية، بناءً على الفكر الشمولي الذي تتمتع به هذه التيارات» يقول. لا يبدو غسان الخالد متفائلاً بنتائج الحراك الذي يشهده العالم العربي، أقله آنياً، نظراً إلى ثقل الموروث المظلم، والحاجة إلى إصلاحات جذرية في بنية المجتمع العربي، أولها «فصل الدين عن الدولة، مما يمهّد لقيام الدولة المدنية، وتعميم ثقافة القيم الفردية وإحلالها محل القيم الجماعية القبلية والدينية الموروثة». ما عدا ذلك ، فإنّ «البدوقراطية» ستبقى متحكمة بنا في غياب مقومات الديموقراطية الحقيقية، فما هو حاصل فعلياً، ليس إلا «إعادة إنتاج للذهنية القبلية» بمختلف أطيافها السياسية، ذلك أنّ التحوّل الديموقراطي لا تحدده الانتخابات، كما هو شائع، إنما الانتقال بالفرد من مفهوم الرعية إلى مفهوم المواطنة. ويخلص إلى أنّه في مجتمع أبوي مثل المجتمع العربي، سيطول الصراع الديموقراطي ـــ البدوقراطي، ما لم يحصل تغيير جذري في البنى المنتجة للسلطة، وهي بنى تعاني في الأصل من ثقل الموروث الديني والقبلي، وما عدا ذلك، مجرد أحلام طوباوية. لا عزاء إذاً، إلى البدوقراطية دُرْ.