القاهرة | منذ أن تولى علاء عبد العزيز حقيبة وزارة الثقافة المصرية ضمن التشكيل الوزاري الأخير في 7 أيار (مايو)، استشعر المثقفون الخطر على حريات الإبداع، متلمسين في القرار تحدياً ومحاولة لـ«أخونة المؤسسات الثقافية»، معربين عن تخوفاتهم من «أسلمة الوزارة العريقة»، وخصوصاً أنّ الوزير الإسلامي التوجه اتخذ في أقل من شهر ستة قرارات بتغيير أغلب قيادات المؤسسات الثقافية.


ومع أدائه القسم الدستوري، أصدر المثقفون المصريون بياناً أعلنوا فيه رفضهم الوزير، معتبرين أنّ التعيين يدلّ على «قصور في نظرة السلطة المصرية إلى الثقافة والإبداع»، فيما نظّم آخرون وقفات احتجاجية في ساحة «دار الأوبرا» في القاهرة وأمام مكتب الوزير، ونقابة الصحافيين في وسط القاهرة. ومع توالي قرارات الوزير غير المعروف في الأوساط الثقافية، أبرزها إقالة إيناس عبد الدايم من رئاسة دار الأوبرا (عيِّن المهندس بدر الزقازيقي بدلاً منها)، بدأت الساحة الإبداعية تشهد انتفاضة ثقافية، لم تعرف مثيلاً لها منذ فترة.
وأول من أمس، احتضنت ساحة الأوبرا وقفة احتجاجية للمثقفين والفنانين والأدباء، و«جبهة الإبداع المصري» الذين رفضوا ما سموه «حملة أخونة مؤسسات الدولة التي بدأت على أشدها عن طريق إقالات سافرة»، وفق ما جاء في بيان الجبهة. ومع توافد المتظاهرين، أمثال: محمد سلماوي، أحمد مجاهد، خالد يوسف، مجدي أحمد علي، خالد صالح ومحمد أبو الغار، وأعضاء حركة «6 أبريل» وآخرين من أعضاء «الجبهة الوطنية للدفاع عن الثقافة والفنون»، تصاعدت مطالب المثقفين من إقالة الوزير إلى إسقاط النظام، ورددوا هتافات مناهضة لرئيس الجمهورية محمد مرسي، وحكومة هشام قنديل. فيما أمهلت «جبهة الإبداع المصري» رئيس الوزراء مهلة 72 ساعة لإقالة عبد العزيز.
تعددت قرارات الوزير بالإقالة، إلا أنّ قرار إعفاء عبد الدايم كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. مع صدور القرار، أقام عدد من العاملين في «دار الأوبرا» وقفة احتجاجية أمام بوابة الدار لإعلان رفضهم له. وقرّر فنانو عرض «أوبرا عايدة» الامتناع عن تقديمه بعد ظهور طاقم العمل بزيهم المسرحي، معلنين الدخول في الإضراب التام للفعاليات الفنية في الدار رفضاً لقرارات الوزير. واعتذر عدد من فناني الأوبرا عن عدم إقامة الأنشطة حتى إقالة الوزير وعودة إيناس عبد الدايم. من جهتها، رفضت عبد الدايم التعليق لـ«الأخبار» على قرار الوزير، فيما أوضحت مصادر مقربة من الوزير أنّ الأسباب الحقيقية وراء قرار الإقالة تتمثل في رفض رئيسة الدار تعيين باحثتين في الأوبرا، يشارك وزير الثقافة نفسه في الإشراف على رسالتيهما في الدراسات العليا. كما رفضت طلب المستشار القانوني للوزير تكليف أحد العاملين المقربين من الوزير بمنصب إداري في الدار.
«تصفية الحسابات الشخصية والعمل على أخونة الوزارة» هما أبرز التعليقات التي جاءت رداً على قرارات الوزير غير المعروف في الأوساط الثقافية، وهو ما يتضح في تفسيره لإقالة أحمد مجاهد من رئاسة «الهيئة المصرية العامة للكتاب» قبل أسبوعين؛ إذ قال إنّ «مجاهد، كثيراً ما سعى للوزارة، ويبدو أن وجود غيره في المنصب أزعجه».
«الحكم على الثقافة بالإعدام» هكذا علق الروائي يوسف القعيد لـ«الأخبار»، مضيفاً إنّ البعض يصور للمواطن البسيط أن الهجمة الشرسة على الثقافة لا تهمه، بحجة أنّ لديه مشكلات أكبر، غافلين أنّ قضايا حريات التعبير لا تنفصل عن نضال المصريين من أجل لقمة العيش. فيما وصف المخرج أحمد إسماعيل ـــ أحد مؤسسي «حركة الدستور الثقافي»، قرارات الوزير بـ«الهدامة» التي تبغي إدخال الثقافة تحت جناح التيار الظلامي، مشيداً بهبّة المثقفين، ومؤكداً أنّ الرهان الأساسي يبقى على طول النفس النضالي.
من جهته، قال القاص طه عبد المنعم، عضو المكتب التنفيذي لـ«ائتلاف الثقافة المستقلة» وأحد القائمين على احتفالية «الفن ميدان»: «ساذج مَن ظنّ يوماً أنّ الإخوان لا تهمهم وزارة الثقافة. الوزير فاروق حسني لعب على إدخال المثقفين الحظيرة و«كلّه ينام في العسل». أما الوزير الجديد، فيفرق قطيع المثقفين ويطردهم من الحظيرة و«كله يروح بيته». وتابع عبد المنعم «الوزير لن يكون عمره في الوزارة أكثر من سنة. جاء لينفذ أجندة هدم مركز القوى في الوزارة أو ما يطلق عليهم «قيادات الوزارة». لكنه عنيف جداً. في أسبوعين، أقال عدداً من المسؤولين وتسبب بعدد من الاستقالات ليفسح المجال لوزير إخواني صريح الانتماء». وأعربت «اللجنة الوطنية للدفاع عن حرية التعبير» عن بالغ قلقها لما تتعرض له الثقافة المصرية من هجمة شرسة تهدف إلى تجريف الهوية الوطنية، والتخلص من الميراث التنويري الذي لعب دوراً كبيراً في نهضة مصر.




الرقص... بلا مدرسة

تنفيذاً لقرار وزير الثقافة، بدأ «صندوق التنمية الثقافية» إجراءات إغلاق «مدرسة الرقص المعاصر» بحجة دمجها في مشاريع الفنان الشامل. قرار الوزير قوبل برفض المشاركين في «مؤتمر المسرح القومي» الذي اختتم أخيراً. واعتبر المحتجون أنّ الدمج يعني أنّ الوزير لا يميز بين الرقص المعاصر، بوصفه فناً مسرحياً قائماً بذاته، وبين مهارة الاستعراض التي يجدر توافرها في الممثل. أيضاً، توالت الاستقالات من لجان «المجلس الأعلى للثقافة»، أبرزها استقالة الروائي بهاء طاهر، والشاعر أحمد عبد المعطي حجازي من رئاسة تحرير مجلة «إبداع»، وأمانة «بيت الشعر المصري». كما اتفق أدباء على مقاضاة وزير الثقافة بعد اتهامه لهم بأنهم «أبناء حظيرة فاروق حسني».