عين يعقوب

لا أعرف مدى تأثّر يعقوب الشدراوي بستانيسلافسكي وبرخت ومسرح العبث، لكنّي شاهدتُ ممثّليه يبذلون أحرّ ما في عروقهم على الخشبة. كانوا يأخذون أيّ دور كان ويحوّلونه إلى معاناة شخصيّة. وكانت اللغة (الشعر، الأدب) هي عجينهم وألوانهم وخطوطهم وكرة قدمهم، كما فعل بقصيدتي «العاصفة» في «اعرب ما يلي»، أشهر بداياته في بيروت.
دائماً يموت الفنّانون والأصدقاء في الأوقات غير المناسبة. ولكنْ ما هي الأوقات المناسبة؟ كان يعقوب، لو قلنا له مثل ذلك، سيبتسم تلك الابتسامة المازجة بين القوّة والطيبة، ويُشعركَ على كلّ حال أنّه يحبّك.
انطباعيّاً يمكن وضع شيخ المخرجين العرب ابن زغرتا، في خطّ البصر. العين لديه تمسكه من يده وتقود سائر قواه. ألهذا علاقة بوراثة ما من خاله الفنّان صليبا الدويهي؟
هل كان يعقوب شيوعيّاً ملتزماً؟ ربّما. لكنّ مسرحيّاته ليست ملتزمة بشيوعيّته. ليست كلّها. كانت عيناه أوسع من برامج العقائديّين. هذا فنّان إنساني تستعيد معه لفظة إنسانيّة معاني الطيبة والغضب والخيال والمسؤوليّة.
وما هَمّ بعد هذا ما كانه نظريّاً. لم ينزل الشدراوي عن المسرح إلّا بعدما انغلقت أبواب المسرح في وجه نفسه. ليس السرطان ما أوقفه بل توقّف المسرح هو الذي أصابه بالسرطان.
لم يحتضن مخرج المؤلّفات الأدبيّة كما فعل الشدراوي. من سعيد تقيّ الدين إلى الماغوط إلى مارون عبّود وسعد الله ونّوس وادوار أمين البستاني والطيّب صالح وميخائيل نعيمة وجبران ويوسف إدريس وأُسامة العارف.
وبقي هذا الأب المسرحي يتابع نشاطات المسرحيّين الشبّان والشابّات بشغفٍ وإصغاء. كان يحضر كلّ تجاربهم على ما تُيَسّر له صحّته. وكانوا يجدون لديه رعاية الراعي العريض الآفاق الدقيق الملاحظة.
آخر مرّة رأيته كنت في التاكسي مقبلاً إلى «الأخبار» وكان على رصيف مصرف لبنان ينتظر ليقطع الطريق. توقّفتُ ونزلت وعانقته. كان ذلك قبل نحو عامين. لا أذكر ما قلناه. أذكر عينيه. عيناه فقط. الأمل والأسى. التحديق إلى فضاءٍ يضجّ بتلك الأسئلة _ أيّاً تكن _ التي لا جواب عنها إلّا في القلب.
وقلبك يا يعقوب لم يقل إلّا الحبّ.




هذه هي الديموقراطيّة

أنتج التلفزيون ظاهرة اسمها المحلّلون السياسيّون (وبعضهم يسمّي نفسه خبيراً استراتيجيّاً). نقل هؤلاء من الجريدة الورقيّة إلى الشاشة حدّة القول مضروبةً بألف. تبيّنَ أنّ الورق، وفي ذروة المساجلات الطائفيّة والحزبيّة، ومن مصر إلى لبنان، كان وسيطاً للرأفة، والكتابة مهما غالت تبقى نقطة في بحر تعابير الوجه وعنف الصوت وتنوّعات الغضب والاحتقار والسخرية.
برنامج «الاتجاه المعاكس» للدكتور فيصل القاسم على «الجزيرة» أدخل عنصراً جديداً هو الشتم المتطوّر أحياناً إلى الضرب. لم يعد بالإمكان سماع ما يقال. ورغم أنّ عدوى هذا البرنامج أخذت تنتقل إلى برامج الحوارات السياسيّة اللبنانيّة حيث شهدنا بعض المصارعات الجسديّة، تبقى السمة الغالبة هي الكلام.
كلام المسؤولين السياسيّين يُنعّس. عكس مداخلات المعلّقين أمثال الياس الزغبي وراشد فايد ومحمد عبيد وفيصل عبد الساتر، حيث يخرج المشاهد بآراء صريحة ومواقف قطعت الجسور بينها وبين التذبذب وهاجس عدم إغضاب أحد. والحقّ أنّ عاملين مهّدا لخلق هذا الواقع هما الانقسام الحاد بين 8 و14 آذار ثم الانفجار السوري. لم تستطع الحروب الطائفيّة السابقة، رغم شحناتها الغرائزيّة، أن تنتج معلّقين «قطعوا خطّ الرجعة». كأنّ الحافة الحاليّة أشدّ استهواءً للمجازفين، أو أنّه سحرُ الشاشة أفرج عمّن كانت تأسرهم قماقم سليمان. والأرجح أنّه الانقسام العمودي السنّي _ الشيعي والسعودي _ الإيراني ما رفع سدود التحفّظ وأطلق السيول من عقالها.
لا نحبّ مَن لا يناسب تفكيرنا، لكنّنا مضطرّون إلى الاعتراف للتلفزيون بفضيلةٍ كبرى هي كونه أتاح الفرصة للمتخاصمين والأعداء أن يحوّلوا رصاصهم إلى كلمات. هذه هي الديموقراطيّة.



مراجعة ادّه لكتاب عادل مالك

خلال مراجعة أجراها الوزير السابق ميشال ادّه لكتاب عادل مالك «1958 _ الأسرار والوثائق»، يتوقّف عند محطّاتٍ بالغة الأهميّة، منها تساؤله، انطلاقاً من محتويات الكتاب، «كيف تسنّى للبنان واللبنانيّين أن يصمدوا طيلة هذه الأحداث المندلعة، جوهريّاً بأسبابٍ وعوامل خارجيّة؟». ويجيب: «لقد ابتدع اللبنانيون نظاماً سياسيّاً خاصّاً تتجلّى ديموقراطيّته بمدى استجابته، بنظامه التمثيلي، لوقائع عدم التجانس الديني فيه». ويعود إلى بروتوكول 1861 ليذكّر ببداية إرساء تمثيل كلّ الطوائف «بما في ذلك تمثيل الطوائف القليلة العدد». ويخرج ادّه، سواء من تجربته الشخصيّة أو من استقرائه للتاريخ أو من قراءته لكتاب عادل مالك، بالاستنتاج الآتي: «إنّ لبنان صمد عام 1958 ثم خلال الأحداث المأسويّة الأخرى التي عرفها لاحقاً، لأنّ مجتمعه، بشعبه، كان أقوى من الدولة التي انهارت، بل جرى العمل النظامي على جعلها تنهار جزئيّاً لتتلاشى كليّاً. اختبار اللبنانيّين العريق لتجربتهم في التنوّع الديني بالعيش المشترك، وتمسّكهم بها حبل حياة ونجاة، هما اللذان صنعا صمود لبنان».
يُقال إنّ حكم العلويّين في سوريا هو آخر قلاع الأقليّات في الشرق وإذا انهار انهارت معه وربّما زالت جميع الأقليّات الأخرى. في ذلك بعض الصحّة لا كلّها. وإلّا فكيف نصف نظام الحكم في لبنان؟ في لبنان جميع الأقليّات تحكم لا أقليّة واحدة بعد أفول دولة الموارنة. ها هم الشيعة يحكمون اليوم وعندما يأفل نجمهم فإنّ مَن سيخلفهم، كائناً مَن كان، سيكون أقليّة. والمفارقة الخلّاقة أنّ تقاسم السلطة بين الأقليّات لم يُقسّم لبنان بل جنّبه التقسيم، ولو كانت جراح عدم الإشباع الديني لدى كل طائفة واضحة، غير أنّها باتت جزءاً من الكبت العام المسلّم به.
أعاد اللبناني إنتاج ظروفه القاهرة فباتت كأنّها برضاه. لم يعجز مكرهاً عن تغيير واقعه السياسي بل عجز مختاراً. وهذا ما يُفسّر انتخابه الأعيرة نفسها من النوّاب وسيره في ركاب النوعيّة نفسها من الزعماء. هو يأتي بهم، وهم لا يضحكون عليه إلّا بمقدار ما يناسبهم. وقد تخفى على الزعماء أغراض اللبناني لكنّ هذا لا تخفى عليه أغراض الزعماء.
يتّصف اللبناني بشطارات أهل المرفأ معطوفة على عناد الجبلي وتملُّك الفلّاح. ومن أبرز ما فيه ضيق صدره، إذ يغريه البحر بالفرار من مساحته الصغيرة فيضطرّ إلى اكتشاف نفسه الثانية عَبْر الهجرة. وكثيراً ما طهّرته الغربة من وحول الاسترخاء بين أحضان الجذور.
رغم التعصّب الديني يعيش اللبنانيّون بسلام. هم دميّون مسالمون، ينزفون دوريّاً لتخفيف الضغط.
كثيرةٌ هي الأمم المؤلّفة من تناقضات كهذه وأحياناً أخطر. كيف نجت وتنجو وكيف نمت وتنمو؟ بفضل دولةٍ قويّةٍ ترعاها دون طغيان وتستوعب خضّاتها. وبعكس ما قد يُستشَفُّ من كلام الأستاذ ادّه نعتقد أنّ المجتمع اللبناني بحاجة إلى دولة، وربّما فقط بهذا المعنى: الراعية الحكيمة. راعية تضطلع بمسؤوليّاتها حيال موجبات الحفاظ على الفسيفساء النادرة التي بين يديها. وإنْ لم تفعل، قد تنحصر هذه الفسيفساء في كونها مجموعة طوائف لا تظلّ تتّصف بفضائل الحيويّة الباعثة دوماً من الموت، بل قد تتدهور _ والأرجح بضغط المؤامرات الخارجيّة كما يقول الأستاذ ادّه _ لتصبح مجرّد مافيات يقوم تعايشها على تبادل الفساد والمراوغة والقتل.



حشرجــــة


ما من أحدٍ يرتعش إلّا خوفاً.
أتطلّعُ حواليّ وأبعد، على مدّ أخبار المجازر والكراهيّة، ناسٌ تنهش ناساً، ونذيرٌ يهدّد الراتعين في خوفهم بأنّ الآتي سوف يأتي إليهم.
لم أعد ألمح شبح حبّ إلّا في عيون العجائز.
أمّةٌ سقاها الشعراء وأطعموها لم يعد يَعْبرها سوى الهواء الأصفر.
ومَن يخطئ ويعشق، يخجل ويقبع في الظلّ.
حتّى الأغاني نسمعها سرّاً، وننكر أنّنا نسمعها.
ما من حبٍّ سعيد، يقول آراغون، «لشقائي صاغَكَ اللهُ حبيباً للقلوبِ» يقول أبو نوّاس، هنيئاً لمَن يحبّ ولو باكياً يائساً وحيداً حتّى الموت. هنيئاً لمَن لا يبعث فيه حبيبه غير الكبت والقهر. هنيئاً لمَن يرعبه النهار ويخنقه الليل لأنّ حبّه غير متبادل، لأنّه لا يليق بمحبوبه، ولأنّ يمامة أبو فراس الحمداني لا تكفّ عن النواح فوق رأسه وعلى شفتيه. ما قيمةُ الحياةِ إنْ «توقّف العالم عن الارتجاف كلّما شخصتُ بنظري إليكِ» كما يقول أنطونان أرتو؟
إذا تَشوّشَ الحبّ لم يطلع الصباح. إذا لم تشعشع العينين نجوم الشغف توقّف الإلهام. الأطفال يلعبون ضاحكين لأنّهم يشعرون أنّ في المستقبل حبّاً ينتظرهم. العصافير تُغرّد اعتقاداً منها بأنّ العشّاق هم جمهور العالم الأوحد. الشمس لا تذيب شيئاً ولا أحداً بل هو الشوق، هو ألم الشوق الأشدّ حرقاً من الشمس.
تبكيني هذه الأمّة من المدافع والسكاكين، من المدافن الجماعيّة واشباح التكفير. عوض أن نتّخذ مواقف من الجمال نحلم بمَن سنقتل. ملايين يهجسون بالتخلّص من ملايين. عَجَبي كيف لم ننقرض قبل الآن!
أما من أحدٍ يشعر بالذنب؟
أما من بطلٍ يحاكم نفسه؟
أما من أبٍ وهو ينظر إلى طفله ينام، يشعر بأنّه مؤتمن على حياته، وأن طفله هو كجميع الأطفال وأنّه هو كجميع الآباء؟
لم يعد أحد إنساناً. كلُّ آخر صار مرشّحاً للقتل.
مات الحبّ.
أيّها القلب، أيّها القلب المعزول، ماذا جنيتُ لتجعلني شاهداً؟