«أحياناً وأنا أستعيد حواراتنا ومشاجراتنا وكل السُّبل المعقدة التي ربطتنا ثم حلّت الرّباط، يبدو لي أنّ الفشل كان القيمة الوحيدة المحرِّكة في الدائرة»، بهذا الاعتراف الذي سيتكرر في صفحات وسطور أخرى، يُنهي يوسف رَخَا (1976) روايته «التماسيح» (دار الساقي). الفشل لا يُقدم هنا كنتيجة نهائية، بل كاستعارة كبرى تختزل السياقات السردية للرواية التي تتحدث عن تجربة جيل التسعينيات في الشعر والكتابة، والعلاقة مع الجيل السابق ومع المؤسسات الثقافية.


الفشل هو منطقة زمنية وفكرية يَعْلَق فيها الأبطال الثلاثة الذين أسسوا سنة 1997 جماعة شعرية باسم «التماسيح». الفشل هو ذريعة كي يعيد أحدهم (وهو المؤلف نفسه) تقليب أحداث الرواية ومصائر شخصياتها، بدءاً من صديقيه في الجماعة السرية: نايف وباولو، مروراً بأسماء أخرى مجايلة أو سابقة أو لاحقة لهم.
يشككنا يوسف رخا في الأسماء، ويدعونا إلى اعتبارها مستعارة. «طز في الأسماء» يقول في مستهل الرواية، لكن ربط بدايتها بانتحار الكاتبة والناشطة الطلابية رضوى عادل في السنة ذاتها، يُثير فضول القارئ إلى المطابقة بين الاسم المذكور وبين اسم حقيقي هو أروى صالح صاحبة «المبتسرون»، وإحدى أيقونات جيل السبعينيات والحركة الطلابية في مصر. التشابه في إيقاع الاسمين، يُسهِّل هذا التخمين، ويُبقي فضولنا في حالة يقظة إزاء أي اسم قادم. لعبة الأسماء هي جزء من لعبة الكاتب المصري في التعتيم الكامل على بعضها، ووضع إيحاءات كافية تكشف حقيقة بعضها الآخر. هكذا، تصبح الرواية محكومة بعنصري التخيّل والواقع معاً، ويصبح زمن الرواية بطلها الحقيقي، وتصير الأسماء مجرد تمثيلات لأفكار هذا الزمن وأمزجته. هناك أجزاء واضحة من سِيَر شخصية وأحداث واقعية طبعاً، لكن منطق السرد ومتعته موجودان تحت هذه الطبقة الواقعية، وفي نبرة الكتابة التي لا تُوصلنا إلى يقين كامل، خصوصاً أن المؤلف يتعمد الخلط بين الأسماء الفعلية والمستعارة سواء كانت لأشخاص أو لجماعات أدبية أو لمجلات وكتب صدرت في الحقبة ذاتها. الدائرة الضيقة تضم مؤسسي الجماعة السرية وعلاقاتهم العاطفية والجنسية: الراوي مع «مون» التي «هندست حياتها بحيث تحصل على أقصى قدر من محبة من الناس حتى لو كانت المحبة سطحية وزائلة»، ونايف مع «صبا» التي «تجمع الناس حولها بالنفخ في بوقٍ يعجبهم صوته ثم تستخدمهم بشكل يومي في حياتها وفي إحساسها بالتحقق في الحياة». أما «نرجس» صديقة باولو «فكانت تستدرجهم بوصفها ضحية للفقر والقبح والتخلف»، قبل أن تُشهر هذه الأشياء «في وجه مسائليها كالشهادات والمناصب». تعريفات ومفاتيح أولية سرعان ما تتعقد وتتشعب مع تقدم الراوي في سرد الأحداث ومصائر العلاقات التي تعوم على علاقات أعمق مع أسئلة الكتابة وتحولات السِّيَر الشخصية وثقافات أصحابها القادمين من خلفيات محافظة أو ريفية، واصطدامها مع العاصمة. يربط صاحب «كتاب الطغرى» كل ذلك بمحطات مفصلية تتحرك بين 1997 سنة تأسيس «التماسيح»، و2001 سنة «الانهيارات التي أجبرتنا على تغيير حياتنا على المستوى الفردي»، و«الحرص الهستيري لمن بقي منا على الوظيفة والأسرة والاستقرار». الشخصي يظل ملاصقاً لما هو جماعي، حيث يُنشئ السرد علاقات ذكية بين «الانهيارات» الشخصية، وبين ركود الزمن الذي تعيش فيه هذه الشخصيات التي يموت بعضها كما هي حال نايف، وليث الحيوان (أسامة الدناصوري)، ويهاجر بعضها الآخر كما يفعل صقر الجنايني (هيثم الورداني) وأدهم اليمني (أحمد اليماني)، بينما يواصل المؤلف فتح ملفات أقرانه التماسيح، حيث يشغف نايف بالشعر الأميركي، ويقدم محاولات متعددة لترجمة قصيدة آلان غينسبيرغ «الأسد على حق»، وينفصل باولو عن نرجس. في الأثناء، يتسع السرد لتأريخ غير رسمي لحركة الشعر الجديد في مصر، وتفسح الرواية المجال لمتتالية زمنية يتم فيها تحديد أسماء أهم شعراء الفترة، وعناوين دواوينهم، إضافة إلى أسماء مجلاتٍ استقبلت نصوصهم المختلفة التي وقفت المؤسسة الرسمية ضدها. سيمر ذكر عباس بيضون ووديع سعادة وسركون بولص كاحتياطي خارجي يعزز ثقة الشعراء الجدد بما يكتبونه، ويدعم ازدراءهم بالكليشيهات السائدة. سنقرأ عن محاولة «التماسيح» لتقديم «مانفيستو» للشعر يتمثل في: الاستغناء والشهوة والتعمد، ويقارن الراوي ذلك ببيانات شعرية أخرى. هكذا، ستنتهي محاولة تغيير العالم بالكتابة إلى انهيارات وهزيمة، بينما تبدأ ثورة «25 يناير» التي «انتظرناها ونحن لا نعرف أننا ننتظرها»، كنوع من العزاء، قبل أن يخطفها الإخوان والتيارات السلفية. تخلط «الثورة المغدورة» أوراق الراوي وجيله في انتظار أن نقرأ جزءاً ثانياً كما يعدنا في الخاتمة.