القاهرة | لم يصدّق المصريون أول من أمس حين بثّ التلفزيون المصري الرسمي وقائع جلسة حوار وطني دعا إليها الرئيس محمد مرسي بعض القوى السياسية للحديث عن مشروع سدّ «النهضة الإثيوبي» الذي يهدّد مصر بالعطش على المدى القريب. علماً بأنّ الحوار عُرض على الهواء مباشرة، ونقلته كل القنوات المصرية عن التلفزيون الرسمي. الحوار الذي ستكون له تبعات سياسية على العلاقة بين مصر وإثيوبيا من جهة، ومصر والسودان من جهة أخرى، دخل تاريخ الإعلام في العالم.


للمرة الأولى (والأخيرة بالتأكيد)، يتابع المشاهد مناقشات تخصّ الأمن القومي المصري على الهواء مباشرة. ولأنّ الحاضرين كانوا من غير الاختصاصيين، جاءت مداخلات بعضهم مضحكة مبكية! الضحك بسبب سذاجة آراء المجتمعين، ومُبكية لأنّ من يديرون الأمور في مصر الآن أقل كفاءة مما كان يتوقع أكثر المتشائمين.
الحوار الذي استمرّ أكثر من ساعة عبر طاولة بيضاوية ضخمة، جلس على رأسها مرسي، وإلى يمينه مساعدة رئيس الجمهورية للشؤون السياسية باكينام الشرقاوي. الأخيرة كانت نجمة السهرة في برامج الـ«توك شو»، بعدما اعتذرت عبر صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي لعدم إخبار معظم الحاضرين بأنّ ما يقولونه من آراء سيُبث على الهواء. وقالت الشرقاوي إنّ المعتاد هو تسجيل الحوارات الوطنية التي تخصّص مرسي في الدعوة إليها كلما اشتدت الأزمات ضده. لكن قبل الحوار بقليل، اتخذ قرار ببثه على الهواء مباشرة. لم تسمِّ الشرقاوي صاحب القرار الذي دخل تاريخ الميديا، لكنّها اعتذرت من الشخصيات التي أُحرجت بسبب هذه الخطوة. لكن هل يفيد الاعتذار إذا كان ما قيل قد شوّه المزيد من سمعة الدولة المصرية؟ سؤال لن تجيب عنه الشرقاوي ولن يردّ عليه وزير الإعلام المصري صلاح عبد المقصود. تساءل البعض عن السبب في عدم قطع البثّ عندما بدأ بعض الحاضرين في الخروج على النص، فضلاً عن مطالبة باكينام نفسها بالاستقالة، إلا إذا رأت الرئاسة أنّ تجاهل إخبار الحاضرين ببث الحوار مباشرة أمر لا يعني التقصير. الأغرب كان خروج الكاتب عمرو حمزاوي لاحقاً ليؤكد أنّه كان يعلم ببث الحوار الذي شارك فيه، بل طالب بذلك من أجل الشفافية، لكنه ليس مسؤولاً عما قاله بعض الحاضرين. وكان العضو السابق في حزب «الوفد» أيمن نور الذي نافس الرئيس المخلوع مبارك في الانتخابات الرئاسية 2005، صاحب النصيب الأكبر من الحرج. خلال الحوار، طالب نور بتسريب أخبار غير صحيحة عن نيّة مصر شراء طائرات حربية جديدة لضرب السدّ. اقتراح وصل إلى الإثيوبيين في اللحظة نفسها، ليعرفوا بسهولة أن أيّ أخبار من هذا النوع ستكون مجرّد تسريبات. لم يكتف نور بذلك، بل وصف الموقف السوداني بأنه «مقرف».




قمة الكوميديا

دخل الكاتب الإسلامي مجدي أحمد حسين دائرة الحوار الوطني المثير للجدل، إذ قال خلال الاجتماع إنّه يجب على الجميع القسم على عدم تسريب ما يجري، قبل أن يفاجئه بعض الحاضرين بأنّ ما يقال يبث على الهواء بالفعل. وكدلالة على أهمية استخدام قوة مصر الناعمة، قال حسين إنّه خلال زيارته للسودان، سأله طفل:«هل تعرف عادل إمام»؟ فردّ حسين: «بصراحة لا أعرف نور الشريف»، في إشارة إلى مدى شعبية الممثلين المصريين. كذلك اقترح إرسال لاعب «نادي الأهلي» محمد أبو تريكة إلى إثيوبيا، لأنّه محبوب هناك. إذاً، دخل الفن على الخطّ السياسي بطريقة مضحكة، لينسى المصريون ليلتها نجومهم الكبار في الكوميديا والتراجيديا.