أيّها الصّديق الشاعر،

ما زلنا نعيش في العالم نفسه الذي قتلكَ. ليلاً نُصْغِي
إلى البكاء. نَهاراً، نُشَاهِدُ القَتْلى.
أمسِ، لم يَشَأِ القمر أن ينظرَ إلينا، فلبسَ عباءةَ الغَيْم.
سنظلُّ قُرْبكَ لكي لا نضيع.
القتلُ تِنّينٌ يشقّ طريقه بين أدغال الكتب المقدّسة.
ماذا نقول لأولئك الذين يقيمون في هذه الكتب ؟

■ ■ ■


لا تَزالُ العقائِدُ تتكدّس في الرّؤوس كمثل الأشياء، والآلهةُ حرّاسٌ
حَافظون.
لا يَزالُ التّابعون والأَنصارُ يعبّرون عن آرائِهم وأَفكارهم،
بكلماتٍ ليست أكثرَ من مساميرَ وشَظايا.
لا يزال عالمنا العربيّ _ الإسلاميّ اثنين:
جَزّاراً وضحيّة،
وما بينهما الغَرْبُ صديقُ الطّرفين.
هكذا يبدو الغرب نافذةً سَوْداءَ على شرقنا،
ويبدو شرقُنا كأنّه سَاحَةٌ تَسِيلُ دماً.

■ ■ ■


رأسُ ديكٍ هو هذا العالم الذي نَنْتَمي إليه. ديكٌ
لا يَرى نفسه إلّا ذابحاً أو مَذْبوحاً، ولا يَراهُ غيره إلّا
مائدةً أَوْ وَليمة. ديكٌ يأكلُ ويشربُ من ثقوبٍ
في جُدْران السّماء. ديكٌ: الأرضُ في صِيَاحه قِنٌّ،
والسّماء دَجاجةٌ حمراء.

■ ■ ■


أيّها الصّديق الشاعر،
حولنا، أَينما تَوجَّهنا، نساءٌ يتحدّثْنَ مع طرقٍ تَخْتبئ تَحت
أقدامهنّ. رجالٌ يجلسُ الموتى على أكتافهم. أَكْتَافٌ تتراكَمُ
فوقَ أكتافِنا.
بَلَى، لا تزال السَّماءُ تُعرقلُ بناءَ الأَرض.

■ ■ ■


سَنظلّ قُرْبكَ.
نُواصِل تحريرَ نفوسِنا من القيودِ، سَماويّةً وارضيّةً.
ونُردّد باستمرار:
كلّ نبوّةٍ غَسَقٌ
والإنسانُ فجرٌ دائم.

■ (باريس 20 تموز/ يوليو 2012)
قصيدة/ رسالة كتبها الشاعر أدونيس إلى طاهر جاعوط، تُنشر للمرّة الأولى بالعربية، ويضمّها كتاب «وجود طاهر جاعوط - الشاعر» (دار البرزخ ــ ترجمها إلى الفرنسية الشاعر أمين خان)