عمان | اختلف الأردنيون حول قناة «الميادين» منذ انطلاقتها العام الماضي، وفق تقديراتهم للأزمة السورية وتداعياتها، وربما لم يلحظ كثير منهم عدم إحداثها أي فارق في تعاملها مع الشأن الأردني، أو التنوع الذي أوجدته خارطتها البرامجية مقارنة بقنوات منافسة.

حاصر إعلام الرواية الواحدة ممثلاً بالتلفزيون الحكومي الأردني مواطنيه عقوداً طويلة، وهو ما يفسر الصدمة التي عاشها المشاهدون في انتقالهم إلى مرحلة (الرأي والرأي الآخر) وفق مقاسات فضائيتي «الجزيرة» و«العربية»، غير ملتفتين إلى تغييب وجهات نظر أخرى لا تنسجم مع الرأي الرسمي (والثقافة السائدة عموماً)

ولا تنسجم أيضاً مع رأي آخر منتقى وفق حسابات الفضائيتين المذكورتين من مجمل الآراء المعارضة أو المهمشَة.
اكتفى إعلام هذه المرحلة بتقديم مقولات جاهزة لصالح أجندة ومحور سياسي بعينه: «الجزيرة» مؤيدة لمحور «المقاومة» وقتها ضد «العربية» مناصرة محور الاعتدال. واتسمت أغلبها بالتسطيح والإثارة وتغليب الخطاب الشعبوي، وأُهملت الأسباب الحقيقية وراء الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعصف بالوطن العربي، ولم تتغير الحال مع اندلاع الاحتجاجات في دول عربية عدّة. سارعت هذه الفضائيات الإخبارية لتغليب انحيازاتها إلى رأي واحد، وهو ما أدى إلى انشقاق أصحاب الرأي الآخر فيها وتأسيسهم «الميادين».
الأردن لم يشذ عن انقسام إخوته. لذلك اجتذبت «الميادين» جمهوراً أقصته فضائيات تبنّت خطاباً محدداً في «بلدان الربيع العربي» وبالأخص سوريا. هذا الجمهور امتعض بداية الأمر مما وصفه بـ«حيادية» الفضائية الجديدة، وزاد حجم متابعته لها حين اتخذت مواقف أكثر وضوحاً في تأييدها للنظام السوري. وتتسع دائرة التحفظات على أداء المحطة لتشمل نواحي أخرى، لكن اشتداد حدة الاصطفافات في المنطقة أبقى هذه التحفظات بين أوساط النخبة.
ورغم محاولة «الميادين» تعزيز البعد التنويري داخل المسيحية والإسلام عبر برنامجيها «أجراس المشرق» لغسان الشامي (الصورة)، و«أ ل م» ليحيى أبو زكريا، غير أنّ البرنامج الأخير يشهد رواجاً أكبر على أساس مواقف معدّه ومذيعه المعادية لدول الخليج والوهابية. وتستحوذ التغطية الخاصة بفلسطين اهتمام المشاهدين في الأردن، وإن عاب بعضهم على الفضائية شعارها «للعدالة في فلسطين»، مستنكرين استبدال «التحرر» بـ«العدالة» في مواجهة المحتل، ومثمّنين في الوقت نفسه عدم استضافة مسؤولين إسرائيليين على شاشة «الميادين».
من جهة أخرى، ينفر متابعو «الميادين» من كثرة التقارير والوثائقيات التي تقدّم خلال المقابلات وطولها الزمني نسبياً، إضافة إلى ثقل حضور بعض مذيعيها الرئيسيين، ويتندر كثيرون بأنّ افتعال الضجة والإثارة التي تغلب على فضائيات منافسة جرى الاستعاضة عنها بفواصل صامتة ضمن البرنامج نفسه أو بتصنع الهدوء والعقلانية لدى مقدّميه. نشرة الأخبار التي تشكّل هوية القناة عادة، لم تُقنع المشاهدين لأسباب أرجعوها إلى ضعف بعض مذيعي النشرات وكثرة أخطائهم اللغوية، وإلى تكلّف «الحياد» في مرحلة التأسيس بالنسبة إلى القاعدة العريضة من جمهورها. لكن التقارير الخاصة التي عرضتها المحطة من داخل سوريا، خاصة تلك المصوّرة بمرافقة الجيش السوري، منحتها تميّزها الذي تأخر نسبياً. الشأن الأردني ظل مهملاً على شاشتها، واختصر التعامل معه ضمن أجندة «الميادين» وخطها في ما يخص الملف السوري، تعكسه طبيعة الشخصيات الذي تجري استضافتها والمواضيع التي يتم طرحها أردنياً، ولا تختلف بذلك عن الفضائيات المنافسة لها، وفي مقدّمتها «الجزيرة» التي تبدو منحازة في تغطياتها الأردنية لـ«الإخوان المسلمين».
عام على انطلاقة «الميادين» يعيد طرح أسئلة جديّة لدى المواطن العربي حيال إمكانية خلق تعددية إعلامية، في مرحلة حرجة يتعزز خلالها اختطاف الأمن ورأس المال لغالبية وسائل الإعلام على حساب الإنسان والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية وتأثيراتها العميقة عليه.