بعد «مونولوغ» و«المركز»، قدم المخرج والكاتب ساري مصطفى أخيراً عرضه الثالث في بيروت بعنوان «حلم». فكرة العرض بسيطة، على عكس السياقات التي يُأخذ المشاهد إليها على امتداد ساعة تقريباً من الحوارات التي تجمع عادل بـ «أناه». عادل، في الحلم، يحاور ذاته بكل تقلباتها مستحضراً لحظات من ماضيه في محاولة لمواجهتها مع حاضر مشوّش أو متجمدّ. يدخل الجمهور إلى فضاء «مسرح بابل» (الحمرا ــ بيروت) على وقع أصوات العاصفة، وعادل جالسٌ على كرسيه أمام طاولة خشبية صغيرة عارمة ببعض الأغراض الخاصة كمجموعة من الأوراق، راديو ترانزيستور، منفضة، كنزة، خيطان... على خط مواز لتلك الطاولة، هناك طاولة أخرى وكرسي فارغتان مشابهتان للطاولة والكرسي حيث يجلس عادل. في خلفية الخشبة، تحدّ ثلاث شاشات بيضاء من سعة الخشبة.
يقوم عادل (ساري مصطفى) بكتابة بعض الملاحظات بين الحين والآخر، في حين يخفت صوت العاصفة تدريجاً، ونبدأ بسماع صوت الراديو الذي تخرج منه مداخلة لرجل وأكثر ما يتسرب إلى أذنه هو كلمة فلسطين. معصمه وكوعه مغطيان بشاش أبيض. في لحظة ما، يمسك عادل إبرة وخيط، ويحاول بتأنٍّ مدروس أن يدخل الخيط في ثقب الإبرة ليخرج من طاولته – قطعة قماشية، قد تكون قميصاً، ويبدأ برتقها ثم يخفض رأسه كأنّه غفا لبرهة. في تلك اللحظة، نرى ظلاً ضخماً لرجل في منتصف الشاشة البيضاء، وإذ بمجموعة من الألوان والأشكال والصور والرسوم المتحركة تتوالى في فيديو (ميلاد أمين) يمتد على طول الشاشات الثلاث كما لو أن عادل يدخل فعلياً حيز الحلم.

ركز نص العرض على حدثين بارزين سياسيين في تاريخ سوريا
من الصور التي تتوالى، يطالعنا الكابتن ماجد وباسل الأسد وبعض الصور الأرشيفية الخاصة والعامة، إلى أن يطل شاب (عمر الجباعي) من طرف إحدى الشاشات كما لو أنه يتلصص من الحلم على عادل. يدخل وبيده دبٌ محشو صغير وكوب كبير من العرق ويجلس. هنا تبدأ الحوارات المتتالية مع الذات التي انقسمت بين شخصية تحاول الحفاظ على تماسكها وأخرى تتوق لفضح ماضيها، وبوح مخاوفها وقول الأشياء كما هي لا كما يجب أن تكون. تتقاطع الحوارات بين الشخصيتين بين حدث قراءة سيناريو مسرحي والأحداث العائلية. يمر عادل على كل أفراد عائلته، منهم سامح المخطوف والأحداث السياسية التي تشكل في آن جزءاً من السيناريو المسرحي وجزءاً من الحوارات الخارجة عن سياق هذا الأخير، وحدث دخوله معهد الفنون. يكمن الصراع الدائم في تلك الأحداث في محاولة إحدى الشخصيتين (عادل الداخل إلى الحلم/ ساري مصطفى) تجميل واقعه عبر قمع أحاسيسه وانفعالاته وعبر قيام الآخر (عادل الآتي من الحلم/ عمر الجباعي) بالتعبير عن شتى أنواع الانفعالات ونقل الأشياء كما هي لا كما أريد لها أن تكون. وهنا لعب كاتب العمل ومخرجه على سلسلة من التناقضات بحيث يصبح الحلم أكثر واقعية ومباشرةً وشفافيةً من الواقع بحد ذاته. الحلم بات متلصصاً بشكل واعٍ وملموس على الواقع الذي يبدو لوهلة كأنه هو الذي بات خارج نطاق الوعي. لعب على نقل تفاصيل من الذاكرة ليمتن جمود ولا جدوى وعجز اللحظة الآنية، وهذا ما يبرر جمود عادل/ ساري مصطفى وقبوعه في كرسيه من أول العرض إلى آخره في حين اقتصرت الحركة على عادل/ عمر الجباعي. الاعتماد الخجول على لعبة المسرح داخل المسرح عبر القراءة غير المكتملة لسيناريو مسرحي، مع إدخال مقاطع من الفيديو وبعض المقتطفات حول آراء سلبية يدلي بها أصدقاء عادل حول السيناريو بصفته ذاتياً أكثر من اللزوم، كلها عوامل تساهم في تشظي ووهن اللحظة الآنية.
تشير مقاطع الفيديو الخاصة بالأصدقاء إلى تناقض من نوع آخر بين الخاص والعام اذا ما أخذت في سياق عرض غني بالصور الأرشيفية، ويوثّق لبعض الأحداث القمعية من قبل نظام البعث التي طاولت عدداً لا يستهان به من المواطنين السوريين في حماة والقامشلي وغيرهما. ركز نص العرض على حدثين بارزين سياسيين في تاريخ سوريا وهما مجزرة حماة (١٩٨٢) وحادثة سحب الجنسية من 150 ألف مواطن كردي في الحسكة عام ١٩٦٣. هكذا نما عادل- أصغر إخوته- منقوص الهوية، لا يملك من حاضره إلا ماضياً سلطوياً دكتاتورياً أبوياً غير مرغوب به وخوفاً قلما يتم الاعتراف به: مشاهد العنف التي شهدها ويمر عليها مرور الكرام، حماة التي يسميها المدينة السوداء والأب المعتقل الذي يصنع مجسمات من مكعبات السكر، العائلة التي لا يود عادل الحديث معها اليوم... كلها ندوب يحاول أن يخفيها في محاولة منه للادعاء بأن كل شيء على ما يرام. بيّن الـ «حلم» في تشظيه المدروس هذا عن أداء مميز مينيمالي لعمر الجباعي الذي اعتنى بأصغر الإشارات. أما ساري مصطفى، فقد أظهر قدرات متقنة في الإخراج، إذ قدم نصاً مسرحياً يستحق التوقف عنده، ويبتعد عن المباشرة في الطرح، ويغوص في تفاصيل شخصيته الصغيرة بشقيها كما يبني خطوطاً متوازية بين العام والخاص ويمتنها بسلسلة من التناقضات الشكلية أو المفاهيمية مع المحافظة على جانب كوميدي للعرض يتجنب تسجيل المواقف الرنانة مع حضور قوي للواقع السياسي في خلفية العرض. وكانت السينوغرافيا (غيدا حشيشو) وافية في نقل صورة التشظي والحلم عبر عناصر بسيطة ابتعدت عن التفزلك والتنميط. هذا الحلم الذي نقله لنا ساري مصطفى إلى الخشبة هو محاولة لرتق الذات – التي لن تصبح ذات فائدة الا عبر الاعتراف بالخوف. على الندوب أن تظهر إلى العلن، من دون اثارة الشفقة. هي ندوبٌ نود أن نظهرها لأنفسنا فقط لا أكثر.