ربما كان الممثل القدير صلاح تيزاني (1929) راضياً عن حلقة «بلا تشفير» التي عُرضت أول من أمس على «الجديد»، كما صرّح في نهاية الحلقة. راضٍ لإتاحة مساحة تلفزيونية (1:00) له، بهدف تعرية نظام سياسي واجتماعي يهدر أبسط حقوقه وحقوق الفنانين الكبار في لبنان. لم تكن تلك المرة الأولى التي يعبّر فيها "أبو سليم" عن الحالة المزرية التي وصل إليها الفنان في لبنان. «50 عاماً في الفن وليس لدّي بيت»، عبارة قد تختصر حجم اللوعة في قلب من أدخل الفرح إلى قلوب اللبنانيين طوال هذه المسيرة. استضافة تيزاني في برنامج امتهن السطحية، واللهث خلف الفضائح، تحولت إلى نكء للجراح، وشحذ لدموع الفنان اللبناني، بدلاً من أن تكون مساحة تكريمية للرجل. مقابلة بدت أشبه برفع سوط عليه من قبل تمام بليق الذي اعتاد الخروج عن أي أصول مهنية وأخلاقية لحوار تلفزيوني. «وعد مني مش رح ضايقك»، قالها بليق لأبو سليم، بعدما تأثر الأخير بسؤال مستفز من المذيع (السعيد دوماً) يتعلق بالتوجه إلى الله وطلب حاجة معينة على الهواء.

ظلّ يكرر الأسئلة المزعجة والمهينة لفنان حفر موقعه في ذاكرة اللبنانيين
وعده بليق بأن لا يضايقه، لكنه فعل العكس. راح يكرر سلسلة من الأسئلة التي تتعلق بالفكرة نفسها، كمن ينكأ جراح أحدهم ويصرّ على ذلك، رغم ضعف الجالس قبالته وتَعَبِه: «بتخاف من المرض؟»، «بتخاف من الموت؟»، «ناطرو للموت؟»، «عم تتحضّر للساعة الأخيرة الي هي ساعة الموت؟». لم يخجل بليق قطّ من إعادة طرح السؤال نفسه على ضيفه، الذي يعيش شيخوخته بضيق وحسرة. أمعن مقدم البرنامج في اختلاق أجواء عكرة، تسهم في إزعاج الفنان اللبناني، وتحيله شخصاً هشّاً، ينتظر من يشفق عليه. سرعان ما تحوّلت الحلقة إلى مساحة للشفقة، أتت خالية من أي منحى إيجابي يمكن أن يضاء عليه في مسيرة فنية حافلة وغنية. هكذا، اختُصر أبو سليم بصورة لا تشبهه وأخذ به إلى مكان ليس له، رغم مرارة ما يعانيه. وكل ذلك بفضل توليفة حلقة استثمرت ألمه ودموعه وحركة يديه المرتجفتين من وهن الشيخوخة.
موضوع الموت وانتظاره، الذي حار ودار كثيراً في الحلقة، وتنقل بين الفقرات، لم يكن المعبر الوحيد الذي استثمره بليق بأسلوبه الهابط. فيما انتقل الحديث إلى الفن والأجور، أعاد بليق مجدداً كلامه الجارح بحق الفنان الكوميدي. قال له: «قبل ما يحطوك ع جنب شو جايي ع بالك تعمل؟»، ليعقب في مكان آخر في السياق نفسه: «أنت اليوم عم تعترف أمام المشاهدين أنه خلص وقتك!». وأخذ يصر أكثر عندما يواجه بالرفض: «قلّي إيه أو لا خلص وقتك؟».
في كل هذه المشهدية التي لم تختلف عن الحلقات السابقة، في اعتماد أساليب رخيصة لبناء مداميك «بلا تشفير»، كانت الأنظار تتجه هذه المرة إلى الضيف نفسه، الذي كان «مادة» للاستخدام بشكل مهين، من دون مراعاة لسنّه ولا حجمه الفني والإنساني، ولا موقعه في وجدان اللبنانيين وذاكرتهم. بنى بليق حلقته على دموع أبو سليم وآلامه، الذي وصل إلى حدّ عرض للبيع الدروع التكريمية التي نالها في مسيرته، مقابل الحصول على حياة معيشية لائقة. مجدداً، يسجل سقوط "بلا تشفير"، في وحول الابتذال وليس سؤاله الفاضح "أدي معك بجيبتك هلق؟" أفظع ما مرّ في هذا الحلقة.