غربة مضاعفة يعيشها التشكيلي السوري بطرس المعري (1968). زيارة خاطفة لدمشق، أكمل فيها عدداً من اللوحات التي وضع أفكارها في باريس مكان إقامته السابق، قبل أن يتجه إلى غربته الجديدة في ألمانيا. النتيجة النهائية لحركة الترحال والتنقل هذه كانت 30 لوحة بقياسات مختلفة، شكلت بانوراما لتجربته الأخيرة التي احتضنتها «غاليري آفاق» في بيروت. الإحساس بالغربة بلغ مداه، عندما لم يتمكن المعري من حضور افتتاح «غريب في مقهى النوفرة».


في المعرض الذي اختُتم قبل أيام، يستكمل المعري العمل على تجربته التي بدأها قبل سنوات. المزاوجة بين الخطوط، رسوم الأيقونة الكنسية الشرقية، وتكوينات الشخصيات الكاريكاتورية، وصور الإعلانات التجارية، ورسوم الأطفال العفوية، باتت تشكل الهوية الخاصة لأعمال فنية تفتح المجال لتكهنات وأسئلة حول الأفكار التي يعالجها المعري، بتقنيات فنية متعددة، تجمع بين ألوان الإكريليك والكولاج من مواد مختلفة.
القاسم المشترك بين شخصيات اللوحات هو حضور الطربوش الشرقي وشخصية الراوي الشعبي التي يتكرر ظهورها بأوضاع وأشكال مختلفة. هنا يعيدنا المعري إلى أجواء المقاهي الشعبية القديمة التي يجد فيها معادلاً فنياً لمجمل أجواء السلبية والعطالة والثرثرة المجانية التي تميز أحاديث رواد المقاهي، وإسقاطها على تفاصيل الواقع والحياة التي تعيشها البلاد العربية اليوم. تبدو الشخصيات مستسلمة للكسل والعطالة. في لوحة «غريب في مقهى النوفرة»، تبلغ السخرية مداها. يكمل الراوي الجالس في عمق اللوحة قراءة سيرته، بينما يقتحم المكان أجنبي يرتدي نظارته الشمسية، ليتحول محط أنظار الجميع. العيون مدهوشة بالكائن الغريب الذي يضع طربوشاً مختلفاً، فيكسر رتابة المكان، ويسرق اهتمام الجميع من الحكواتي. اختزال ساخر لعلاقة حضارة الشرق بالغرب تؤكده العبارات التي تضمنتها اللوحة لكن بطريقة تختلف عن الكتابات التي ترافق رسوم الكاريكاتور عادة. «أحاول في العبارات المختصرة والمكثفة التي أضعها في زوايا اللوحات كسر الرتابة وحالة الملل التي تصيبني في مراحل مختلفة من إنجاز اللوحة»، يقول المعري الذي يستحضر فان غوخ (1853 ــ 1890) في «فان غوخ يرسم أزهار دوار الشمس بعد غوغان» حيث ألبسه طربوشاً وأبرز أذنه المقطوعة. اختصر المعري هنا معاناة الفنان الهولندي المعروفة، بتفاصيل وخطوط وجه الشخصية، وشكل العيون والدهشة المختلفة عن بقية اللوحات، عندما جعله ينظر إلى أذنه المقطوعة وهو يتابع الرسم ويدخن غليونه. من الأعمال التي أنجزها المعري في دمشق «حمام الهنا» التي تتضمّن عبارة ساخرة كالعادة «رسم بطرس المعري. برج الروس. قرب فروج البستان» عودة سريعة إلى الذاكرة الجمعية، استحضرت اسم المسلسل الكوميدي الشهير مع تركيز على حالة الاسترخاء، وتناول الشاي وتدخين الأراكيل في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة حروباً مدمرة. هذه المفارقة يؤكدها المعري في بروشور معرضه، حيث كتب «إن استطعنا أن ننجز شيئاً ما في وقتنا المرعب هذا، هل من حقّنا كرسامين أن نتابع ما بدأنا به من تجريب؟ هل في هذا خيانة للوطن وأهله؟ أم علينا أن نحوّل وجهة البوصلة كي نتباكى وننوح، أو نبارك ونهلّل، أو بكل بساطة ــ وأي بساطة ــ نصوّر ما يحدث ما حولنا؟».