دمشق | مع «فوازير الرعب» والزحام الخانق، يستقبل السوريون شهر الصّوم بأقنعة أمل تغطي وجوه الطوابير التي تنتظر دورها على أبواب الأفران بغية الحصول على حاجتها من الخبز، والقلوب المتعبة تبحث عما يقيها الحرب على أرصفة الثياب المستعملة. رمضان هذا العام يأتي مع حرارة الصيف ليبدو الأقسى طيلة السنوات الماضية. الأزمة السياسية المعقدة ضربت الحياة الإجتماعية، فغابت وجوه بائعي «النّاعم» عن سوق «الجزماتية» وسط حي الميدان، وتقلّصت الحركة هناك منذ سنة تقريباً.


هكذا، بقيت محلات الحلويات في سبات غلاء السكر، فلا الشّامي ولا النازح يستطيعان إليها سبيلاً.
الأسعار الملتهبة جعلت الناس يتمنون لو أنّ «رمضان تأجّل هذا العام» كما يعلّق أحدهم فيما يردف آخر: «لن يخرج أحد إلى المقاهي أو إلى أي مكان آخر بعد الإفطار خوفاً من مصيدة الموت».
هكذا، يبدو مشهد العاصمة صامتاً مع غروب الشمس في الأحوال العادية، إذ تنعدم الحركة في معظم الشوارع. أما في الشوارع التاريخية بدءاً من الباب الخلفي المغلق للجامع الأموي نزولاً باتجاه زقاق باب توما والقشلة، فهناك يختلف الأمر قليلاً. في «مقهى النوفرة»، مثلاً، يوقّت رواد المقهى ساعتهم على توقيت إغلاق الحواجز عند أطراف العاصمة، لشعورهم أنّ الحضور في أحضان الشام القديمة، هو من أكثر العادات الدمشقية التصاقاً بشهر رمضان. هناك، يبحثون عن بائع «العرق سوس» فيأتيهم الخبر أنّ معاركَ طاحنة في الغوطة تمنعهم من زيارته هذا العام! يعودون إلى بيوتهم وذاكرتهم تستحضر عبارة «الشام الله حاميها»، بينما يقلقهم تداخل أصوات الإنفجارات بمدفع الإفطار.
ورغم تلوث الشاشات بدماء الشهداء من السوريين، تحاول الدراما السورية هذا العام ترميم أرواح مَن بقي من سكان سوريا، تقدم لهم قصصهم المأساوية ويومياتهم مع الحرب من خلال عشرات المسلسلات، لكنّ أخبار نجوم الدراما تشير إلى أنهم متناثرون في بقاع الأرض، هرباً ممّا يعيشه أبناء وطنهم في الداخل. معظم الفنانين سوف يقضون رمضان هذه السنة بعيداً عن «مقهى الروضة». لن يجدوا سوريين يحتفون بهم بعد مشاهدة أحد الأعمال الدرامية لهم في رمضان، كما كانت عليه الحال قبل الأزمة. قلّ عدد السوريين وهضمت دراماهم الواقعية كل القصص التي كتبت وسوف تُكتب.
لم تعد دمشق مكاناً صالحاً لشيء إلاّ للحزن! تستقبل رمضان بنسخته الحارّة، وأهلها يبحثون عن عدالة تنصف جراحها قبل أن يتلاشوا وإيّاها في فضاء الدخان والرصاص والإنفجارات.