تونس | في مشهد ثقافي لا يحضر فيه الرقص المسرحي، يحاول عدد من المبدعين التونسيين التأسيس لهذا الفن ونشره بين الشبان. بدأت التجارب الأولى قبل سنوات مع رجاء بن عمار في «مدار قرطاج»، ومع سهام بلخوجة في «ناس الفن» قبل التحاق عماد جمعة، الذي أصبح أحد أبرز المتخصصين في الرقص المسرحي. منذ فترة، قدّم الكوريغراف والراقص الذي يعدّ أحد روّاد الرقص المعاصر في تونس، عرضين هما «حالة» (إنتاج المسرح الوطني) و«صالة» (إنتاج المسرح الوطني بالتعاون مع «معهد غوته»).


رصد عماد جمعة في عمليه تحولات الشارع التونسي بعد فرحة «الربيع العربي» الذي تحوّل الى كابوس بسبب تنامي التشدد الديني وانهيار الامن وارتفاع الاسعار وسحق الطبقة الوسطى وتفشي الجريمة. في «حالة» الذي احتضنته «قاعة الفن الرابع» في وسط تونس العاصمة، يعود المسرح الوطني الى تقديم أعمال فنية تحت إدارة المسرحي أنور الشعافي، الذي يعدّ من الجيل الجديد في المسرح التونسي، وهو مفتون بفنّ البانتوميم والخطاب المسرحي القائم على الحركة والصورة والضوء. كان الرهان على عماد جمعة في عملين وفي تأسيس تظاهرة «خريف الرقص» مؤشراً على هذا التوجه الجديد الذي كان يحتاج إليه «المسرح الوطني» باعتباره أكبر مؤسسة مسرحية عمومية.
عرض «حالة» (75 دقيقة) عنوانه الحركة والضوء وركح فارغ إلا من الحواجز الحديدية ذات اللون الرمادي التي تنغص حياة التونسيين وتشعرهم بانعدام الأمان منذ سقوط النظام السابق. هذه الحواجز تحيط بأغلب المنشآت العمومية، ولونها الرمادي يخلق حالة من الإحباط والكآبة لم يتخلص منها المواطن التونسي إلى حد اليوم. يقول جمعة «مسرحيتي تعبّر عن تونس اليوم كما يراها المواطن البسيط الذي يشعر بانسداد الأفق. هذا ما أردت أن أقوله».
تميز «حالة» بقوة الإيقاع والحركة وتبادل العنف في تفاعل الجسد، وهو ما يحيل المشاهد على ارتفاع نسبة الجريمة في تونس وتراجع الأمن. وجاءت موسيقى الجاز والتعبير من خلال الإضاءة عنصراً مكملاً للمشهد التونسي المتسم بالخوف والحيرة وتضاؤل الأمل. شارك في هذا العرض عدد من الراقصين الشبان، وهم كريم توايمية، ومروان روين، وقيس بولعراس، ووائل مرغني، ومريم بوعجاجة، وثريا بن غالي وعماد جمعة.
بالفرقة نفسها تقريباً (إنتاج مشترك مع معهد «غوته»)، قدم عماد جمعة عملاً ثانياً بعنوان «صالة». يعدّ الأخير جزءاً من مشروعٍ دعمه المعهد الألماني في تونس، وكانت حصيلته ثلاثة أعمال هي «كلام الليل صفر فاصل» لتوفيق الجبالي، و«غيلان» لعز الدين قنون، إضافة إلى «صالة». هنا، رصد عماد جمعة تنامي التشدد الديني الذي يعادي أي تعبير فني. وقال الفنان التونسي عن هذا العمل: «عرض «صالة» عن الرقص الآن وهنا بين الرفض والقبول»، اذ تحاول مجموعة من الشبان من عشاق الرقص استغلال قاعة تمارين قديمة لممارسة عشقها الا أنّه تُُمنع، فتصرّ على فرض إرادتها. وفي غمرة انغماس الشبان في الرقص، يخرج أحد المتفرجين متوجهاً الى الركح لمنعهم من الرقص أو «الشطيح» كما يسمى في اللهجة العامية التونسية. ونرى بعد ذلك مجموعة من الراقصين يتناوبون على استعمال المشط وآلة الحلاقة في فضاء مغلق أشبه بالسجن في إحالة على الفن المهدّد بتنامي التطرف والتشدد الديني. لقد عبّر عماد جمعة بهذين العملين عن الهاجس التونسي اليوم أي الفن المهدّد بالعنف والتطرف. وسيجول عرضا «صالة» و«حالة» قريباً على دول أوروبية عديدة منها ألمانيا وبلجيكا وفرنسا وإيطاليا.