في وقت لم تهدأ فيه بعد أبواق التحريض والفتنة، دوّى صباح أمس انفجار ناجم عن سيارة مفخخة مركونة في مرأب للسيارات في منطقة سكنية مكتظة في بئر العبد (ضاحية بيروت الجنوبية). الحدث الذي بدأ كأخبار عاجلة أسفل الشاشات، دارت حوله التكهّنات الإعلامية بشأن جغرافية المنطقة و«بعدها» الأمني، وتحديداً على منابر البرامج الصباحية التي تتصدر عادة الشاشات في هذه الفترة. وبعدما تجلّى دخان التفجير، بدأ العزف على أوتار كثيرة في الإعلام المحلي والعربي، رواحت بين الوقوف على ما حدث ومواكبته ميدانياً، وبين اختلاق مبرر للجريمة والبحث عن مسوغات تبرّئ الجاني وتتناسى هول الحدث وتداعياته وتصرّ على سقوط ضحايا من دون التأكد من المصادر المعنية. هذه المرة، لم تتلكأ قناة «المنار» عن النقل المباشر، فكانت نجمة الساحة أمس. شاشتها الصفراء عُمّمت على مختلف وسائل الإعلام المرئي بكل أطيافه نقلاً للصور الأولية والمتابعة الميدانية لمراسليها هناك. شاشة المقاومة كانت صوت الناس المتضررين والغاضبين، «غربلت» غوغاء الشارع الغاضب الذي تناتشت عليه المحطات لنقل ما يتفوّه به، فيما ركّزت الكاميرا على وجود عناصر الأمن والجيش. أما «الجديد»، فكان تركيزها على الجرحى. هكذا، جالت على المستشفيات، ولا سيما «بهمن» واستصرحت المصابين من الأطفال والنساء.


كذلك كان لـ otv تغطيتها الميدانية من خلال دحض أن يكون الاستهداف هو لمركز ديني كما روّج له، وأن يكون قد أصاب أحداً من قيادات «حزب الله». وكالعادة، كانت «الميادين» حاضرة بقوة في الميدان، ومن أولى القنوات التي تماست مع الناس مع مراسلتها غدي غنطوس وراحت تنقل صوراً حصرية لها من مكان التفجير وتؤكد مراراً أنّه لا ضحايا ولا استهداف لمقارّ الحزب. المحطة الفرنسية الناطقة باللغة العربية france 24 التي غابت عن المواكبة في الدقائق الأولى للتفجير، عادت لتغطي الحدث عبر استقاء المعلومات من الأخبار العاجلة التي توردها مواقع الصحف اللبنانية مع استرجاع الأحداث الأمنية المماثلة التي وقعت في السابق وسط خطابات التحريض والتهديد، وفتح باب التساؤلات أمام ارتباط هذا التفجير بالأزمة السورية عبر مشاركة «حزب الله» وغيره من المجموعات هناك.
الصاعقة الكبرى بدت على شاشتي «الجزيرة» و«العربية» اللتين استخدمتا خطابهما الإعلامي بغية التشفي والاستغلال السياسي للحادثة. هكذا تحول مراسل القناة القطرية المنضم حديثاً إليها إيهاب العقدي إلى محلل ومنجّم عندما وصف مركز التسوق أي «مركز التعاون الإسلامي» (وقع الانفجار بالقرب منه) بـ«المركز المدني التابع لحزب الله». ولم ينس العقدي إيراد أنّ هذه المنطقة «تخضع لحماية أمنية مشددة ومراقبة أيضاً»، رابطاً ما حدث بمشاركة الحزب في «الأعمال القتالية» في سوريا، متكهناً بما سيحدث مستقبلاً من «انفجارات «قد تستهدف مناطق تابعة للحزب». وكعادة «الجزيرة»، فقد دسّت مزيداً من السم والتحريض الطائفي عندما قالت إنّ هذا الانفجار جاء «عقب تدخّل مقاتلي «حزب الله» في الحرب في سوريا ضد مقاتلي المعارضة الذين يغلب عليهم السنّة». بدورها، عنونت «العربية» بالخط العريض خبرها العاجل: «جرحى بانفجار في معقل حزب الله». وقف مراسلها عدنان غملوش على بعد أمتار بعيدة من مكان التفجير، وتحول أيضاً إلى محلل عندما صبّ تركيزه على تعداد سكان الضاحية (مليون و200 نسمة)، وراح يشرّح جغرافية المنطقة ويدعي أنّ التفجير حصل «بالقرب من مركز ديني تابع لحزب الله».
محلياً، توغلت mtv وlbci ضمن الحشود الغاضبة في الشارع. راح مراسل قناة المر حسين خريس ينقل مشاهداته إلى حد رؤيته لما سمّاها «الفرقة الخاصة» للحزب التي ـ كما قال ـ تولّت حلّ الاشتباك بدقائق قليلة عقب الهجوم على وزير الداخلية مروان شربل إثر تفقده المنطقة. وانتهت التغطية عندها قرابة الساعة الثانية ظهراً وعادت إلى برامجها المعتادة. أما lbci، فكانت حريصة على تقفي الخبر من مصدره لدى اتصالها بالأمين العام للصليب الأحمر جورج كتانة الذي أكد وقوع جرحى في إصابات طفيفة. لكنّ ماريو عبود أبى إلا أنّ يمرّر بتحليلاته الخاصة عندما قال من داخل الاستوديو إنّ ما حصل في «الحصن المنيع للحزب (...) لا يمكن أن تكون معركته محصورة بمكان ولا بزمان ولا بجغرافيا». وسط ذلك، فتحت «المستقبل» هواءها للمحللين والسياسيين المقربين من 14 آذار الذين لم يوفروا تبريراً للتفجير عبر القول بأنّه لا يمكن ضبط ردّ فعل المعارضة (ويقصد بها السورية) مع استبعاد أن تكون إسرائيل وراء هذه الجريمة.




إغاثة الضاحية على الفايسبوك

وسط أتون النار وقرع طبول التحريض الإعلامي، برزت صفحة «إسترجعوا البرلمان»، التحرك الشبابي السياسي المولج متابعة شؤون الإنتخابات والإصلاحات التي يجب إجراؤها. تخّلت هذه الصفحة الفايسبوكية عن مهامها أمس، وتفرّغت لمهمة انسانية راقية عندما حوّلت هذا المنبر لمساعدة المتضررين من انفجار الضاحية. هكذا، أنشأت لهذه الغاية مجموعة «إغاثة الضاحية» وعرّفت عن نفسها بأنها لا تنتمي الى أي جهة سياسية أو دينية أو عقائدية، وبأنّها تعمل على التنسيق مع الجهات الرسمية لتقوم بتفقد مطالب المتضرّرين عبر مجموعة شبان انتدبتهم لهذه الغاية. اللافت في المجموعة انحصار الكلام بالمساعدات مع حظر الحديث في السياسة واصطفافاتها.