الانعطاف من المتحلق الجنوبي باتجاه كفرسوسة بمثابة انقلاب. ذلك الأوتوستراد الفسيح المضيء الذي يلف دمشق من غربها إلى شمالها، يبدو مختلفاً عند العقدة التاسعة، حيث تبدأ «الهوندا» بتلقف الطريق ببطء يقطعه رجال الأمن وهم يحدقون كأنهم رجل واحد باتجاه السيارة التي غامرت في الخروج و«التكويع» نحو كفرسوسة في هذا الوقت المتأخر من ليل الجمعة. يتكئ الصغير على البلور ويبدأ لهاثه بتغشية الأضواء الخافتة من الخارج ليزيدها قلقاً. إنها الثانية ليلاً، ورجل الأمن لا يصدق المعلومات على البطاقة الشخصية.


ماذا تفعل هنا؟ أذهب إلى بيتي، لقد أخذتُ الصغير إلى المستشفى! يفغر الرجل فمه وهو لا يصدق أنني أسكن على أطراف هذه البساتين. أنا المتحدر من الريف الحموي الموغل في التصوف والباطنية، أقطن مع كثيرين من أبناء الساحل والسويداء في عمق ما يسمى المستنقع الصعب أو بساتين كفرسوسة المصنفة سلفاً ضمن خانة التطرف والتدين ومناهضة النظام! يخفض الرجل ضوء ولاعته الصينية ويشير بيده كي تتابع السيارة سيرها. كأنّ هذا الرجل يملك صورة خرافية عن المنطقة وقد حطمتها للتوّ بطاقتي الشخصية مع مكان سكني. للأسف، كان صعباً أن يكتشف السوريون أنفسهم بغير هذه الطريقة. كم كان مجدياً لو ترجّل رجال الشرطة من سيارات «الستيشن» ليشربوا الشاي مع السمّان أبو ياسين، أو يجلسوا مع الناس تحت التوتة المعمرة في كفرسوسة. تلك التفاصيل التافهة كانت تعني وطناً كاملاً، وكان علينا نحن النازحين من المحافظات البعيدة أن ننسى طوائفنا ونندمج في هذا المجتمع الريفي البسيط والمحب. إنها التفاصيل الهامشية التي دخلها الجميع دون قصد، كي يكتشفوا وجهاً مختلفاً للبلد. لعبة الاكتشاف عبر التفاصيل الهامشية، نجحت في كفرسوسة، فقد تمت بلا ايديولوجيا، وكان طبيعياً أن يفاجأ الكثير من «الكفارسة» بصوت عبد الباسط عبد الصمد في ترتيلاته القرآنية أثناء مآتم الأقليات.
عشوائيات كفرسوسة حملت نبوءة المجتمع السوري واحتمالاته اللاحقة في وقت اختلطت فيه مصطلحات الثورة والأزمة والأحداث، مع ما يمكن تصوره أيضاً من طائفية واغتيال وتخوين. رغم أن تلك المصطلحات لم تكن قد أطلت برأسها في ذلك الوقت، إلا أنّ نذرها كان يلوح في أفق التوجّس السوري لينكشف المشهد على انقسامات حتى ضمن أهل الحارة الواحدة حين هرع بعضهم لمحو كتابات المتظاهرين عن الجدران كنوع من الحماية للمنطقة جراء تداعيات الأحداث. في الوقت نفسه، كان الشباب يذهبون باتجاه مغامرات أكثر جنوناً كتأليف الشعارات واكتشاف الرجل البخاخ. المفارقة أنّ كل الأطراف كانت تملك صورة شفهية وخرافية عن بعضها الآخر، لكن أهم تلك الصور هي شخصية رجال الشرطة والأقليات في أذهان «الكفارسة»، والصورة الثانية هي أبناء تلك المدينة القابعة على أطراف العاصمة في أذهان النازحين الجدد الذين وفدوا إليها. القاسم المشترك بين الصورتين كان الثقافة الشفهية الممزوجة بالميراث الديني والإشاعات التي تكلّست بعامل الزمن وكان عليها اليوم أن تنفجر دفعة واحدة! نعم، أنا أسكن في كفرسوسة يا صديقي، لكنني الآن، ربما، أبحث عن وطن!.
* شاعر سوري