دمشق | اختبر نضال سيجري (الصورة) التراجيديا السورية قبل أن تقع. كانت النسخة العراقية التي جسد بعضاً من فصولها في «حمّام بغدادي» مع المخرج جواد الأسدي مجازاً عربياً قابلاً للتحقّق في خرائط أخرى. خلال بروفات العرض، اختزن الممثل السوري الراحل طبقات العنف التي اقترحها المخرج العراقي كأحد أشكال مسرح القسوة، وانهمك في تفكيك خيوط الشخصيّة المركبة بمشاركة زميله فايز قزق (جائزة أحسن ممثل في «مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي» ــ 2006). سائق الشاحنة لم يكمل الرحلة، فحرب الهويات فتحت مجرى واسعاً للندوب وسريالية الفوضى والخراب والعبث. الدماء تتفوّق على ماء الاغتسال للتطهر من أدران الحرب. لم تسعفه حنجرته في الصراخ على الخشبة، بعدما تحوّلت البلاد بأكملها إلى ما يشبه سرير «عرس الدم»، ورقعة مفتوحة على الوجع والتمزّق والانهيارات.


رحلة قصيرة وخاطفة، أوقفت مشاريع الممثل الراحل قسراً، لكنه في المقابل، اختزن رصيداً مسرحياً استثنائياً، منذ أن غادر مدينته اللاذقية إلى دمشق في أواخر الثمانينيات، لينتسب إلى المعهد العالي للفنون المسرحية، بأقصى طاقته على الشغف بالخشبة. إذ أنجز نحو 35 عرضاً بأدوار وشخصيات متباينة، تنطوي على قدرة خارقة في مزج الضحك بالمأساة، فهو الطيّب والأبله والانتهازي. غامر بلعب دور امرأة عجوز في مسرحية «أرامل على البسكليت» مع جواد الأسدي (2008)، كما أسهم في تفعيل مسرح الطفل بعروض لافتة عبر مشاركته في «مهرجان ربيع مسرح الأطفال». حلمه القديم باستعادة الزمن السعيد للمسرح الجوّال، أعاده إلى مدينته اللاذقية. هناك، أدار ورشة عمل لممثلين هواة، كانت حصيلتها عرض «نيغاتيف» من كتابته وإخراجه، ليقدّمه لاحقاً في تظاهرة «المنصة المسرحية لحوض المتوسط» في آخر دورة من «مهرجان دمشق المسرحي» (2010) وكانت آخر إطلالاته على المسرح. لقد اختار نضال سيجري في عرضه هذا مستشفى للأمراض العقلية لاختبار نماذج إنسانية تعيش تمزّقات عميقة، وكأن هذا المستشفى امتد لاحقاً من فضاء الخشبة إلى خريطة البلاد بأكملها.
كان المشهد الأخير للممثل الراحل في المسرح القومي في اللاذقية، مشهد تابوت مسجى على الخشبة، في تراجيديا صنعها بنفسه، بناء على وصيته، قبل أن يُدفن في «مقبرة الروضة». لكن طيف نضال سيجري لن يغادر الخشبة السورية، إذ تداولت بعض الأوساط الثقافية معلومات غير مؤكدة عن احتمال إطلاق اسمه على إحدى قاعات مسرح «المعهد العالي للفنون المسرحية» في دمشق إلى جوار معلمه فواز الساجر، وعلى أحد مسارح اللاذقية كثاني مسرحي سوري بعد رائد المسرح أبي خليل القباني.