«إن أحضرتم لي سريراً، فسأنام هنا على الخشبة، إنه بيتي، الرحم التي منها خرجت ممثلاً. هنا أشعر بالحماية، وعدم الصدأ». بهذه الجمل المسكونة شغفاً إلى حده الأقصى، همس الممثل والمخرج المسرحي الراحل نضال سيجري (1965ــ2013) ذات مرة لـ«الأخبار». طبعاً حدث ذلك قبل أن يودع «أبو وليم» جمهوره ومحبيه ويمضي، وهو من اعتاد الوداع من دون بكاء.


إذ سبق أن سلّم على أصدقائه عند تخرجه من «المعهد العالي للفنون المسرحية» (1991) وهو الوحيد الذي لم يبكِ يومها، بل أدهش أستاذه فايز قزق بعد عدة أيام عندما صادفه في الشارع، فلوّح له قائلا: «مرحبا أبو الفوز»، ليفاجئ الأستاذ بالجرأة الكبيرة للطالب المتخرج حديثاً. في حديثه مع «الأخبار»، يؤكد فايز قزق أن السؤال الذي طالما ردّده الممثل الراحل أمامه كان «ماذا نفعل بهؤلاء المصابين بلوثة المسرح ولا يمكن لهم الشفاء منه، وكيف يمكن أن ندعم مشاريعهم ونضعهم على الطريق الصحيح؟». هكذا، اختار نضال أن يخصص جزءاً من وقته لهواة وممثلي المسرح الجامعي في مدينته اللاذقية.
كان مشروعه الأول معهم إعادة لمسرحية «صدى» لزميله عبد المنعم عمايري، التي قدمت للمرّة الأولى على خشبة «مسرح أبو خليل القباني» في دمشق سنة 2000 ولعب بطولتها كل من غسان مسعود وسلافة معمار . كان بطل «حمام بغدادي» مُغرماً بهذا العرض الذي حصد نجاحاً وجوائز هامة، فاستأذن صاحبها ليعيد تقديمها سنة 2006 برؤية إخراجية مختلفة كانت تتويجاً حقيقياً لورشة عمل أقامها نجم «ضيعة ضايعة» مع مجموعة من الفنانين الشباب في اللاذقية، فاستحق تصفيق المشاهدين وعلى رأسهم العمايري الذي أشاد بأداء ممثلين شباب (حسين عباس، رغداء جديد، نجاة محمد). لم يتوقف الربان بعدها عن العناية بنزلاء سفينته المفترضين، كونه كان يعتبر نفسه مسؤولاً عن كل شركائه من عشاق المسرح، حتى أنه أشرف على ورشات عمل تخرج على شكل لوحات فنية تقدم في «المعهد العالي للفنون المسرحية» وغيره، من دون أن تحمل عناوين أو يسبقها ترويج لائق.
ومع تهاوي صناعة المسرح في سوريا واحتكار هذا الفن الراقي بمديرية رسمية محكومة بالجمود والروتين، كان على نضال أن يحزم أغراضه ويسافر مجدداً صوب البحر.
هناك أنجز مسرحية «نيغاتيف» التي كتب نصها وأخرجها، وعُرضت على خشبات مسارح اللاذقية سنة 2010 وقد لعب بطولتها كل من رغداء جديد، شام جنيد، نجاة محمد، مصطفى جانودي، الحسن يوسف، هبة جديد، وهاشم غزال.
يرصد العرض جوانب الخلل في الحياة الإنسانية، عبر مجموعة من الأشخاص الذين أرادوا التقاط صورة جماعية أمام عدسة الكاميرا، فإذا بهم ينجرون إلى فخ سرد قصص حياتهم الشخصية الصاخبة بحزن لا ينقصه شيء من الأمل والطموح، ثم الخضوع والإذعان، ومن ثم نهاية دراماتيكية في «مشفى الأمراض العقلية» التي استقبلت جميع الأبطال.