لم يكن إقرار يوم دولي رسمي للمرأة (8 آذار/ مارس) في عام 1975 حدثاً اعتباطياً في التاريخ. إن هذه المناسبة عمّدت عن حق بالدماء والألم والنضال والإصرار آلافاً من النساء حول العالم بدءاً من العاملات في صناعة النسيج في الولايات المتحدة الاميركية في عامي 1857 و1909، والنساء الأوروبيات اللواتي جبن الساحات للاحتجاج ضد الحرب، أو للتعبير عن التضامن مع أخواتهن اللواتي يحملن أعباءها وآثارها، وصولاً إلى النساء اللواتي خرجن للمطالبة بالحق في التصويت والأجر المتساوي ووقف الظلم والتمييز بحقهن على الصعد كافةً في عدد كبير من دول العالم. وبالتالي، فإن الاحتفال بهذا اليوم حق مشروع لكل نساء الأرض، لا بل هو مناسبة سنوية نجدد من خلالها النضال ونعيد رفع الصوت للمطالبة بحقوقنا الإنسانية في ظل استمرار الفجوة الكبيرة بين الجنسين عالمياً في مختلف المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والصحية والتربوية والمدنية...
في مناسبة يوم المرأة في كل عام، تعقد المؤتمرات، تنشر أبحاث وتحقيقات، تنظّم احتفالات وفعاليات، وتسير تظاهرات وتحركات للإضاءة على التمييز الصارخ بحق النساء والبحث في سبل الخروج من هذا النفق الذكوري المظلم. لكني في هذا اليوم، أتلمّس حاجة ملحّة للعودة إلى بحث إشكالية أساسية وجوهرية في رأيي، تعيق كل الجهود الرامية إلى تحقيق المساواة بين الجنسين وهي إشكالية التربية. هل نحن فعلاً، وفي ظلّ كل ادعاءات المساواة المزعومة التي يغرق المجتمع اللبناني في تظهيرها، نربّي أولادنا على المساواة؟ هل نحن فعلاً وصلنا إلى حدّ إنتاج أجيال قادرة على تغيير واقعنا الذكوري والأبوي والطائفي المعبّأ بالظلم والقمع والتمييز تجاه النساء، الآخر المختلف، وفئات مهمّشة أخرى في مجتمعنا من ذوي/ ذوات الاحتياجات الخاصة، إلى الأجانب/ الأجنبيات والمثليين/ ات وغيرهم/ن؟

كم منا زرع في رأس ابنه أن أخته ليست «عرضة وشرفه»؟

كم منا اليوم تخطى فعلاً عقدة المولود الذكر، وسعد بحقّ بولادة طفلة أنثى أو اثنتين أو ثلاث من دون اللهاث لإنجاب طفل ذكر "ليحمل اسم العيلة"؟ كم منا اليوم رضي عن حق بأن تكون كنيته باسم ابنته الكبرى، أو ليست الكنية تأتي باسم الطفل الأكبر؟ كم منا مؤمن/ة بحق بأنه يمكن للفتاة أن تكون كائناً قادراً ومستقلاً تماماً كما الصبي بعكس القول اللبناني المأثور «همّ البنات للممات»؟ كم منا لم يقل لابنته ولو لمرة واحدة إنّ «البنت متل القزازة إذا انكسرت ما بتعود تتلحّم»، وربّى ابنه في المقابل على اعتبار أن «الشب عيبو على صباطو»، وعليه أن يكون زير نساء ليصبح أكثر جاذبية؟ كم منا لم يشعر ابنته عند بلوغها بأن العادة الشهرية عبء ومسؤولية ومدعاة خجل، حتى إذا ذهبت لشراء فوط صحية فمن المفترض عليها تخبئتها في كيس أسود قاتم؟ كم منا قال لابنته بأنه يحق لها أن ترتدي ما تشاء، وترتاد الأماكن التي تريد وتسير في الشوارع ليلاً، وتسهر وتواجه أي مصدر إزعاج بثقة وكبرياء من دون لومها على فعل ما، وفي أحيان كثيرة على اعتداءات تكون هي ضحيتها؟ كم منا زرع في رأس ابنه أن أخته ليست «عرضة وشرفه»، بل كائن يساويه في الحقوق والواجبات، ويمكنها حماية نفسها من دون وصاية وولاية من أحد، وأن لبس الفتاة وتصرفاتها ليسا في أي حال من الأحوال دعوة مفتوحة للتحرش بها أو الاعتداء عليها، وأنه لا يحق له التقرّب من أي فتاة بأي طريقة من دون إذنها وموافقها، وأنّ «لا تعني لا» وليس «حاول مرة أخرى»؟ كم منا اشترى لابنه «باربي» ولم ينتزعها بانزعاج منه إذا رآه يلعب بها؟ كم منا ربى ابنته على أن طموحها وعلمها وثقافتها هي سلاحها وليس «الفارس على الحصان الأبيض»؟ كم منا يقول لابنته يومياً أنّك جميلة كيفما كنتِ، وأن ليس هناك قوالب جمالية جاهزة كتلك التي تحاول الشركات الاستهلاكية والإعلامية والإعلانية تسويقها؟ كم منا ينصف ابنته تماماً كابنه في الإرث أو بالأحرى كم منا قام بتوريث بيت العائلة لابنته من دون الخوف من أن يستولي عليه «الصهر» أو متحدّياً العرف القائل بأنّ «بيت العيلة للصبي»؟ كم منا يؤمن حقاً بأن التمكين الاقتصادي والعمل للنساء ضرورة وحقّ، وليس مجرّد حلّ للحاجة الاقتصادية؟ كم منا ـــ وبعيداً عن التبجّح بالسماح لبناتنا في التعليم أو الذهاب إلى الجامعة، وهذا بالمناسبة حق إنساني مكتسب يعاقب على إغفاله في الدول التي تحترم إنسانية ومواطنة أبنائها ذكوراً كانوا أم إناثاً ـــ سمح لبناته بالحلم واختيار الاختصاص الذي يحببن بعيداً عن حدّ طموحاتهن بالاختصاصات النمطية التي يفضّلها المجتمع لصون دور المرأة التقليدي وحصره بالتربية والإنجاب والسهر على راحة الزوج؟ كم منا حرص فعلاً على تربية أبنائه وبناته على مبدأ المساواة بين الجنسين من أصغر التفاصيل التي ذكرتها أعلاه إلى أكبرها والكثير، مما لن تتّسع هذه السطور لذكره؟
طالما هناك فتيات يجبرن على التكتّم عن التحرش والاغتصاب صوناً للشرف، طالما هناك رجال يصلون بذكوريتهم إلى حدّ العنف والقتل، طالما هناك تزويج مبكر للفتيات، طالما هناك نساء ساكتات عن التمييز ضدّهن في المجالات كافة، طالما هناك نساء يتخلّين عن طموحاتهن وعملهن من أجل التفرّغ لتربية أولادهن من دون مشاركة من الرجل في هذه المسؤولية الأسرية، طالما هناك شباب عاجزون عن الزواج لأنه بكل بساطة ما زلوا متمسكين/ ات بالفكرة الذكورية التي تعتبر الرجل المسؤول الأول عن العبء الاقتصادي وتترك للمرأة في المقابل الدور الإنجابي، طالما أنّ هناك نساء يقتلن ويعنّفن ويدمّرن يومياً باسم الشرف، طالما أنّ حرية النساء بالحياة الكريمة والقرار والمشاركة الفاعلة في المجتمع والاقتصاد والسياسة مقيّدة... هذا يعني أنّ تربيتنا لا تزال ذكورية، وبامتياز!
وبالعودة إلى يوم المرأة العالمي، فإنّ التمسّك بإحيائه في كل عام واعتباره محطّة لتجديد النضال ورفع الصوت أكثر وأقوى، يعطينا أملاً بتغيير موعود من شأنه رفع الظلم والتهميش عن نساء الأرض إن لم يكن غداً فيوماً ما بالتأكيد.

*صحافية وناشطة نسوية




«استرجاع الليل»


في مناسبة «يوم المرأة العالمي»، يدعو «نادي السنديانة الحمراء» في «الجامعة الأميركية في بيروت» إلى مسيرة للنساء عند الساعة الثامنة من مساء اليوم على كورنيش بيروت البحري، تحت عنوان «الشارع إلنا ولو بآخر الليل». تبدأ المسيرة من أمام «جامع عين المريسة» وتتجه نحو «نادي سبورتينغ». يهدف نشاط «استرجاع الليل» الذي ينظّم عالمياً إلى دعوة النساء من مختلف الخلفيات والتجارب للمشاركة من أجل «استرجاع المساحات العامّة وإظهار ضرورة أن تكون هذه الأماكن آمنة». هذا ما تؤكده صفحة النشاط على فايسبوك، موضحةً أنّه «ضد التحرش في الشوارع، والعنف، والإعتداء، سنمشي على الكورنيش مع بعضنا بعضاً كخطوة تجاه إنهاء الخوف من الظلام».
ومن المتوقع أن تكون المشاركة واسعة، إذ دعت جمعيات عدّة الناس عبر السوشال ميديا إلى الانضمام إلى المسيرة، بينها «كفى» و«شريكة ولكن» التي ستتولى مهمّة تغطية الحدث عبر فيديوات مصوّرة.

مسيرة «استرجاع الليل»: اليوم ــ الساعة الثامنة مساءً ــ كورني بيروت البحري.