«نحنا والقمر والجيران» عنوان يرتبط بالذاكرة الجماعية اللبنانية من خلال أغنية فيروز «نحنا والقمر جيران»، لكن حرف «واو العطف» المضاف عَطَفَ الأطراف الثلاثة في احتفالية تقام سنوياً في حي «درج الفاندوم» (مار مخايل ــــ بيروت) تحت ضوء القمر. هنا، يعزف ويغني ويرقص ويؤدي أكثر من ثلاثين فناناً يعرضون أعمالهم مجاناً بين جمهور يتجوّل بين سلالم وزوايا بيوت أهل الحي.


إنّها «احتفالية» عفوية حميمة تنتمي الى ساحة ودودة بذكرياتها أكثر من كونها مهرجاناً مبرمجاً في عاصمة مزدحمة وخانقة. «مجموعة كهربا» التي تأسّست في عام 2006، تسكن منذ أربع سنوات في أحد بيوت «درج الفاندوم». كان عمل الفرقة التي تقدّم عروضاً في الدمى والرقص والفيديو، يثير فضول الجيران. وعندما لم تنفع دعوة هؤلاء إلى المسارح للتعرف إلى عملها، قررت الفرقة عرض مسرحية «عربايتنا» على الدرج. بعد إقبال الناس والجيران على العرض، جاءت فكرة ليالي «نحنا والقمر والجيران». الكلّ مرحّب به هنا: شباب، وأطفال، وعائلات، وشيوخ، وفنانون، وكل من مرّ الى جانب الدرج، فرأى حشداً من الناس انضم اليهم وصار منهم. يحتفل الحي مع عناصره المعمارية بالفنون على اختلافها: تتحول سطوح المباني الى منصّات مسرحية يؤدي عليها الممثلون والدمى حكاياتهم وحكايات أهل الحي؛ وتتحوّل الشجرة الى نقطة تجمُّع نجلس بين أغصانها لنستمع الى الحكواتي. ثمّ سرعان ما نسمع موسيقى آتية من الدرج العتيق فنلحق بها، فيما تحوم مجسمات حول المباني التي أصبحت فضاءً مسرحياً، فنطلق أنظارنا اليها في القريب وفي البعيد بينما الأذن تبقى مع الموسيقى على الدرج، وحاسة الشم مأخوذة برائحة «مناقيش عصاج نوال». هكذا، يملأ الفن المكان وتتدلّى الزينة حولنا ويلبس الحي زياً فنياً. ولا يبقى للجمهور إلا أن يتحول هو الآخر الى مكتشف أسرار الحي، الذي يفتح أبوابه بالكامل على مدى ثلاثة أيام متتالية (بدءاً من الغد)، فتنبع منه حكايات تحمل في طياتها ذاكرة تشبهنا.
ليس غريباً أن يرتبط عنوان المهرجان «نحنا والقمر والجيران» بالذاكرة الجماعية. هو يعكس الارتباط العضوي لأعمال «مجموعة كهربا» المسرحية بالمجتمع اللبناني وبذاكرته الجماعية. وعلى الرغم من أنّ نصف مؤسسي المجموعة هم فرنسيون، إلا أنّهم نجحوا في إشعال «الكهربا» في سماء ذاكرة بيروت، والانطلاق يبدأ دوماً من التواصل الحقيقي مع الناس. مثلاً، انطلاق المهرجان نفسه كان نتيجة هذا التواصل. يقول المسرحي الفرنسي اريك دانيو، أحد مؤسسي «مجموعة كهربا»: «بعد تساؤل جيراننا على «درج الفاندوم» حول الأغراض الكثيرة التي نحملها دائماً من مكان الى آخر مع دمى غريبة الشكل، قررنا أن نقدّم إليهم عرضاً بعنوان «عربايتنا» كإجابة عن تساؤلاتهم. يومها، احتشد الدرج بحوالى 300 من أهل الحي وجمهور من الخارج وأثار العمل إعجابهم. من هنا قرّرنا أن نقدّم مهرجاناً سنوياً، إذ رأينا أنّ الناس مهتمّون بالفنون والمكان مثير للاهتمام فعلاً». ويتابع: «إقامة المهرجان انطلقت من علاقتنا مع الجيران. هكذا يعمل الخيال. لا يمكننا أن نحبس أنفسنا في غرفة منعزلة عن الآخر ونجد ما يمكن فعله على الصعيد الفني. قد تؤدي دردشاتنا أحياناً إلى إلهامنا فكرة عمل مسرحي بمحض المصادفة. إنه أمر بسيط عندما نثق بالناس الذين نتواصل معهم. فالتواصل هو الطريقة إلى الخلق».
خلال السنوات الثلاث التي تمثل عمر المهرجان، تغيّر مضمون برنامجه وازدادت حميميته مع ازدياد العروض والجماهير. في السنة الأولى، كانت معظم العروض من تقديم مجموعة «كهربا». أما في السنة الثانية، فشارك الكثير من الفنانين بأعمالهم، وتميّز المهرجان بأداء مشاهد مختلفة مستوحاة من ذكريات لبعض سكّان الحي، لكل منهم شريط صوتي مسجّل بصوته ويرافقه تحريك دمية تشبه الشخصية. أما في السنة الثالثة، فستكثر العروض من خارج المجموعة لتكون هي الأساس. وهذا دليل على تعاون مثمر بين الفنانين اللبنانيين. تشارك في العروض «فرقة ورق» في عرض دمى للأطفال بعنوان «يا ورد مين يشتريك» (إخراج حسين نخّال). تدور القصة حول فتى خسر أمه ويبحث عن طريقة لتقبّل الأمر. تقدم «مجموعة توين» أيضاً عرضاً تفاعلياً للأطفال بعنوان «عيد الخبز» (إخراج نعمة نعمة) يدور حول مشكلة أهل قرية بلبل يوم نفد الطعام فيها. ومن بين عروض الكبار، تحاول كريستيل خضر جمع ذكريات المدينة لإنقاذ ما بقي من حبها لها في «بيروت سيبيا»، بينما تغوص حنان الحاج علي في Jogging, Run 7enno Run بالتعاون مع «أغورا» و «مجموعة كهربا»، في روتين الركض الذي يخلق تواصلاً وتداخلاً بين الفضاء الشخصي الحميم لحنان المواطنة والممثلة، والفضاء العام للمدينة (راجع الإطار). يقدم المهرجان أيضاً عرضاً راقصاً معاصراً بعنوان «ثمانية أشخاص، ثماني قواعد». جاء هذا المشروع ثمرة ورشة عمل اقترحتها كلارا صفير، وتضم ثمانية راقصين وموسيقيين. تختلف تجربة المؤدّين والحضور في كل عرض، بما أنّ لعبة القواعد تغيّر مسار العرض بحسب خيارات اللاعبين. أما عرض الرقص الثاني لفرقة Mancopy الدنماركيّة تحت عنوان Absolutes، فيقدّم للمرة الأولى في العالم في إطار هذا المهرجان. إنّه عبارة عن ثلاثة أعمال قصيرة منفردة حول انعزال المؤدين، كلٌّ في فقاعته، ويحاول الوصول إلى الكمال. بالنسبة إلى الموسيقى، يستضيف المهرجان خلال أمسياته الثلاث عروضاً مختلفة لتلاميذ الكونسرفاتوار الوطني، كما يقدّم مصطفى سعيد وجوس تورنبول اللذان يتعاونان معاً منذ زمن بعيد، حفلة موسيقية شرقيّة مرتجلة (عود وغناء وإيقاع). وأخيراً، تعزف فرقة Archipels لدومينيك بيفاريللي وميشال رابيا (كمان وإيقاع) في محاولة لتقديم كوريغرافيا صوتية.
«نحنا والقمر والجيران» كأغنية فيروز حين نسمعها في زحمة بيروت، تأخذنا الى عالم الحلم والمحبة. نأمل أن يستمر المهرجان ليصبح هو أيضاً من ذاكرتنا الجماعية، فيؤلف لحناً مسموعاً ومرئياً عن الفة أهل بيروت. وما أسعد أهل العاصمة اللبنانية لو كان الاحتفال طوال أيام السنة في مختلف أحيائها، ليجمع أطرافها الممزقة ويحيي ذاكرتها المنسية. نعم إننا نفتقد القمر والجيرة في بيروت، فلنأمل من الجهات المعنية دعم هذا المهرجان الاحتفالي النوعي الذي لم ترعه أي جهة حكومية مادياً، لا ليستمر فقط على «درج الفاندوم» بل ليتنقل إلى أحياء المدن اللبنانية ضمن رؤية توحيد المواطنين من خلال التواصل عبر الاحتفالات الفنية النوعية، ولكي نتعايش بسلام نحنا والقمر... والجيران!

«نحنا والقمر والجيران»: من 6 حتى 8 أيلول (سبتمبر) ـــــ من السابعة مساءً حتى الحادية عشر ليلاً. للاستعلام: 44277/01.




حنان تهرول

يدور Jogging, Run 7enno Run (نص وأداء حنان الحاج علي) حول حنان المواطنة اللبنانية والممثلة في بيروت 2013. كعادتها، تمارس حنان رياضة الهرولة. يخلق هذا الروتين تواصلاً بين الفضاء الحميم لحنان والفضاء العام للمدينة. كما تساعد التمارين الجسد على فرز هرموني الأدرينالين والدوبامين اللذين يولّدان مفاعيل متناقضة، محفزة ومحبطة، فيما بيروت أيضاً مدينة تدمَّر لتبنى، وتعمّر لتهدم!