تونس | يمثل اليوم أمام القضاء التونسي الطاهر بن حسين مدير قناة «الحوار التونسي» التي كانت المحطة الوحيدة التي عارضت نظام زين العابدين بن علي وفتحت الباب لكلّ معارضيه. يقف الإعلامي التونسي أمام «فرقة القضايا الإجرامية» بتهمة «التآمر على أمن الدولة وحث السكان على التقاتل والعمل على تغيير هيئة الدولة القائمة».


وقد تصل عقوبة هذه القضايا إلى حد الإعدام والمؤبد. هذا الأمر دفع ناشطين وحقوقيين إلى تنظيم وقفة احتجاجية اليوم أمام مقرّ «فرقة القضايا الإجرامية» في منطقة القرجاني في العاصمة تضامناً مع الطاهر بن حسين وتنديداً باستهداف حرية الصحافة واستقلالية الإعلام.
وتأتي محاكمة بن حسين بعدما دعا المواطنين عبر قناته إلى التظاهر السلمي وملازمة الشوارع والساحات والإضراب عن الطعام لغاية إسقاط الحكومة والامتناع عن دفع الضرائب وتسديد فواتير الماء والكهرباء، على اعتبار أنّ الحكومة القائمة غير شرعية. وكانت رئاسة الجمهورية قد تقدمت بدعوى قضائية ضد كل الذين دعوا إلى إنهاء حكم الترويكا ودعوة الجيش إلى تولي مقاليد الحكم في البلاد بعد اغتيال الزعيم اليساري شكري بلعيد والمناضل الناصري محمد البراهمي.
وتعتبر محاكمة الإعلام التونسي فضيحة حقيقية لحكومة الترويكا، خصوصاً أنّه التحق بحزب «نداء تونس» المعارض، وكان الوحيد الذي فتح قناته لكل المعارضين بمن فيهم الإسلاميون الذين كانوا ممنوعين من أي نشاط سياسي أو حضور إعلامي، كما اشتهر بدفاعه عن الإسلاميين خلال «سنوات الجمر».
المحاكمة ليست التطور السيئ الوحيد في الشارع التونسي، إذ أعلن سليم بقة مدير جريدة «أوداس» الناطقة بالفرنسية عن طلبه اللجوء السياسي إلى فرنسا التي عاش فيها سنوات طويلة وخصّص جريدته للمعارضين لنظام بن علي، خصوصاً للرئيس المؤقت محمد المنصف المرزوقي والإسلاميين واليساريين. وكان قد اعتقل نهاية الأسبوع الماضي بتهم «السكر وإثارة الهرج والاعتداء بالعنف على طليقته»، وهي ما وصفها بقة بـ«الكيدية الهادفة إلى إسكات جريدته التي فضحت ملفات الفساد التي تورط فيها وزراء ومسؤولون كبار في السلطة الجديدة».
في سياق متصل، أصدرت «النقابة الوطنية للصحافيين» بياناً دعت فيه الصحافيين إلى مقاطعة رئيس المكتب السياسي لحركة «النهضة» الحاكمة عامر العريض بعد توجيهه إهانات إلى الصحافي الطيب بوزيد في برنامج حواري على القناة الوطنية الأولى، إلى جانب تعمده التدخل في عمل الصحافيين وتهديده بعرض مؤسسة التلفزة الوطنية للبيع. واعتبرت النقابة أنّ تصريحات العريض تكشف عن «عقلية فاشية واقصائية».
وتزامن هذا البيان مع إضراب مفتوح عن الطعام دخله الصحافي سفيان بن فرحات بعدما أنهى فتحي البحوري المدير العام لقناة «شمس أف. أم.» تعاونه مع الإذاعة في الوقت الذي تخلت فيه قناة «نسمة» عن خدماته، معتبراً أنّه مستهدف من «النهضة».
كل المؤشرات تؤكد تراجع سقف الحرية في تونس ونجاح «النهضة» في وضع يدها على القنوات الخاصة ومحاصرة الصحافيين في الإعلام الرسمي. صاحب قناة «حنبعل» الخاصة العربي نصرة مثلاً التحق بـ«ائتلاف الدفاع عن الشرعية» الذي تقوده «النهضة»، فيما بيعت قناة «الجنوبية» لرجل الأعمال محمد العجرودي الذي أنشأ حزباً انضم بدوره إلى الائتلاف السياسي نفسه، كما أجبرت قناة «التونسية» على الإقفال، وغيّرت قناة «نسمة» خطها التحريري بعدما اقتنى رجل الأعمال سليم الرياحي القريب من «النهضة» جزءاً من أسهمها. هكذا، وقع الإعلام التونسي بين فكي السلطة ورجال الأعمال الذين يبحثون اليوم عن موقع في سلطة الإسلاميين.