عكّا | كانت الأسئلة الوجودية المتعلقة بالمكان/ فلسطين التي لم تزرها قبلاً، هي التي حملتها إلى هُناك. الأسئلة التي يطرحها كلّ لاجئ في وطنه وخارجه، عن أماكن لم يزرها، عن تفاصيل مُنعت عنه، عن بحر يبتعد بضعة كيلومترات عن بيته ولا يمكن أن يعوم فيه. السؤال الذي طرحته المخرجة الفلسطينية المقيمة في الأردن ميس دروزة (1975)، يشكّل ركيزة مشاهد شريطها الوثائقي الطويل الجديد وشخصياته في فلسطين المحتلة والشتات: «كيف يمكن أن نعود إلى مكان لا نعرفه إلا في مخيّلتنا؟». ينقل «حبيبي بيستناني عند البحر» (80 دقيقة ــــ 2013)، أصوات الفلسطينيين في الوطن وخارجه ممن لم يتنازلوا عن الحُلم والصمود في أرضهم وقاوموا بوسائل عديدة ومتنوعة. بدأت قصة ميس دروزة مع فكرة العمل في شتاء عام 2007، حين وقعت مصادفة على قصة للأطفال بعنوان «حسن في كلّ مكان» كتبها الفنان الفلسطيني الراحل حسن حوراني الذي لاقى حتفه غرقاً في بحر يافا الذي كان ممنوعاً من رؤيته. في أحد الأيام، ذهب حسن مع أصدقائه من رام الله إلى يافا لقضاء وقتٍ هادئ بعيداً عن حواجز الاحتلال. عندها، رأى ابن أخيه يصارع الغرق، فركض لإنقاذه رغم أنّه لا يجيد السباحة، فأخذ البحر كليهما.

قصة غرق حسن كان لها وقع خاص على ميس التي تأثرت ليس فقط بمغادرته الحياة باكراً، بل بما حمله رحيله من رمزية لحياة الفلسطينيين جميعاً، في وطنهم وخارجه... هؤلاء الذين يعيشون حالات الاختناق اليومية بسبب الواقع القاسي الذي فرضه الاحتلال. في كتابه «حسن في كلّ مكان» الذي أنهى العمل عليه قبل رحيله بقليل، رسم حسن حوراني نفسه كصبيّ مسافر في عالم خالٍ من الحدود والحواجز وحرّاس الطرق. حرّر نفسه من كلّ القيود والتابوهات الاجتماعية والنفسية والسياسية، فطار تارة في السماء وبين الغيوم، وطوراً سبح في البحر وكلّ ما يعطيه العالم من طبيعة مُنعت عن الإنسان بسبب قيود الاحتلال والاستعمار. وهذا ما يتجسّد في «حبيبي بيستناني عند البحر» الذي يمزج بين الواقع والخيال، ويعيد الاعتبار إلى جمالية الحياة والأمل رغم كلّ قسوتها.
تصف ميس دروزة حسن بـ«الحبيب الذي لم تره»، بل تعرفت إليه متأخراً جداً. وبلغة سردية وشاعرية وتأملية، حملت صاحبة «خذني إلى أرضي» كاميرتها، وقررت كسر هذا التابو بين فكرة العودة والعودة فعلياً إلى فلسطين لرؤيتها ولو لزيارة قصيرة، محمّلة بالعالم الطوباوي الذي رسمه حسن حوراني. في رحلتها هذه التي بدأت منذ عام 2009 بين البحث والتصوير، قامت ميس دروزة بتصوير وزيارة «خريطة فلسطين» المرسومة بريشة أماكن تواجد الفلسطينيين في فلسطين كلّها، وفي الشتات المتمثل في سوريا والأردن، بعيداً عن الحدود والفروقات التي فرضها الاحتلال وقسمت الفلسطينيين بإعطاء أسماء جديدة لأماكن تواجدهم داخل الوطن؛ مثل الأراضي المحتلة عام 48 و67 وقطاع غزة. هكذا، حوّلت المخرجة فلسطين إلى مساحة مفتوحة، بلا حدود، مضيئةً على قيمة الإنسان وقصصه وتفاصيل حياته التي تبني الحياة الحقيقية. سوف يُعرض الفيلم للمرة الأولى ضمن الدورة الثامنة والثلاثين من «مهرجان تورنتو السينمائي الدولي» في كندا المستمرّ حتى 15 أيلول (سبتمبر). عن العرض، تقول ميس دروزة لـ«الأخبار»: «أملي الوحيد أن يكون للفيلم دور في استعادة الإحساس لدى الناس، فنحن ننجز أفلاماً وثائقية كي نكون أحراراً. أمنيتي أن يأتي الجمهور المحلي لمشاهدة الفيلم، والأكثر أن يشهد حضوراً للجالية العربية في عرضه الأول».




السؤال الموجع

في حديث مع «الأخبار»، تقول ميس دروزة: «ما يحزنني اليوم أننا نعيش في منطقة تمرّ بأكثر الأوضاع قسوة. أسأل نفسي: هل الذي خلقته من خلال الفيلم سيصير يوماً حقيقياً أم لا؟ وهل سنخرج من دائرة القتل والدم؟». العمل على الفيلم بدأ قبل سنوات، إلا أنّ ميس تشعر بأنه أصبح أكثر عمقاً اليوم في ظلّ الظروف التي تعيشها المنطقة. صحيح أنّها تحكي عن الأمل في عملها، إلا أنّها تضيف: «أين فلسطين اليوم؟ هذا سؤال موجع لكثيرين في ظلّ الوجع المرافق للثورات التي أفرحتنا في بدايتها. إلا أنّنا نكتشف مدى سهولة أن يدخل أحد بيتنا ويقوم بتخريبه. نحن مجتمعات هشة، تم إضعافها على مدار سنوات ونحن أيضاً مسؤولون عن الحالة التي وصلنا إليها اليوم».