لن يأتي المرء بجديد إن قال إنّ جزءاً كبيراً من الإعلام العربي سواء الموالي للنظام السوري أو المعارض له، قد لعب دوراً كبيراً في التحريض على الدماء وتزوير الحقائق وتوسيع الانقسام بين أفراد الشعب الواحد. لكن الأيام الأخيرة سجّلت سابقة جديدة للإعلام المناهض للنظام السوري. راحت بعض المواقع والصحف تصعد وتيرة الحرب النفسية التي تخوضها ضد هذا النظام معلنة بشكل أو بآخر انسجامها المطلق مع المشروع الأميركي، بل إمكانية تحويل فضائها لخدمة صواريخ «كروز» و«توماهوك». هكذا، انبرت مجموعة كبيرة من الوسائل الاعلامية لنقل خبر يدّعي تحديد مكان إقامة الرئيس السوري بين ثلاث فلل في «يعفور». وقد دعّمت كلامها بتصريحات المنسق السياسي والإعلامي لقيادة «هيئة أركان الجيش الحر» لؤي مقداد الذي أورد لصحيفة «الوطن أونلاين» عن خطة وضعها بشار الأسد للهروب بعد اختبارها مرتين! وعلى اعتبار أنّ منطقة يعفور تحاذي الحدود اللبنانية، نُسج سيناريو هروب الأسد بطائرة فرنسية إلى القاعدة الروسية في طرطوس عبر الأجواء اللبنانية بمساندة عناصر من «حزب الله». ومنها قد يهرب إلى موسكو في حال اشتدت الضربة الأميركية وقررت الدول الغربية إنهاء حكم الأسد!


هكذا، وجدت تلك الوسائل الإعلامية في الخبر جوهرة ثمينة، فانهالت عليه على طريقة القطيع، وراحت تنشره على صفحاتها تباعاً وبثقة مطلقة من دون إخفاء السرور الذي يكتنزها. جريدة «النهار» اللبنانية سارعت إلى نشر الخبر بتذاك مفرط، فقالت في العنوان إنّه تقرير سرّي رغم أنه لا يمت للسرية بصلة، بل تحوّل إلى فضيحة مجلجلة نشرتها عشرات المواقع حتى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي. بعد ذلك، وصل موقع «العربية نت» إلى «السبق ونشر الخبر، علماً أنه عرف عن الموقع الخليجي مجافاته للمهنية، ووقوعه في أخطاء لغوية جسيمة، فضلاً عن الترويج المقصود لأخبار دون غيرها ونشر معلومات كاذبة وإبقائها على صفحاته لأطول مدة ممكنة. لكن يبدو أنّه بعد تدقيق غير اعتيادي للمسؤولين في الموقع، وصلوا إلى نتيجة تقضي بضرورة إزالة الخبر الهزيل الذي يدخل بشكل واضح في إطار حرب نفسية مفتعلة ومفضوحة ضد النظام والجيش السوري وإيهامه بأن المعركة وصلت إلى حدها الفاصل، والانهيار الكبير صار قاب قوسين أو أدنى. كل ما سبق لم يكن سوى نقطة في بحر موقع «كلنا شركاء في الوطن» الذي يملكه ويرأس تحريره أيمن عبد النور الصديق السابق للرئيس السوري. أطلق الموقع أخيراً حملة موسعة في إطار الحرب النفسية ذاتها. وبعد الخبر المأثور، راح «كلّنا شركاء» ينشر أخباراً تفيد بالطريقة التي سيقتل فيها الرئيس السوري، وأخرى عن بدء التنسيق بين بعض الضباط السوريين ووزارة الدفاع الأميركية، وثالثة عن تشكيل فرق «كوماندوس» تابعة لـ «الجيش الحرّ» ستنحصر مهمتها في إلقاء القبض على ضباط النظام أثناء السقوط.
في هذه الأثناء كانت الصحف الخليجية، وعلى رأسها «الشرق الأوسط» السعودية تعلن بمنتهى الوقاحة تحولها إلى منبر للنعيق على رأس الخراب السوري من خلال تشجيع العدوان الأميركي مع ادعاءاتها الباطلة بأنها حريصة على دماء هذا الشعب، رغم معرفة القاصي والداني بأن أموال الخليج كانت اللاعب الأكبر في هدر دماء الأبرياء في الشام. وصل الحد بكاتب خليجي اسمه ناصر الصرامي، توجيه رسالة إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما على صفحات جريدة «الجزيرة» السعودية بعنوان «إنها الفرصة الأخيرة» ترجوه ضرب سوريا لتحسين صورته! وقال الصحافي السعودي «إنها الفرصة الأخيرة بحقّ لتحسين صورتكم كرئيس مُتردد ومُرتبك ومُربك، إلى قيادي عالمي صاحب قرار وللتاريخ، إنها سوريا». وختم الصرامي بالقول: «فرصتك الأخيرة، اضرب ضربة مزدوجة للتاريخ ولبعض التنظيف. اضرب كل التجمعات الإرهابية الجهادية والنظام القاتل، اجعلها ضربة مزدوجة قوية وعميقة. بصراحة. ما لنا غيرك يا مولانا، قبل أن نقول مالت عليك وتسقط في التاريخ، كما رسبت في الجغرافيا».
سعت تلك الحملة الإعلامية المنظمة إلى إحباط معنويات الجيش السوري وإيهامه بأنّ الضربة حاصلة لا محالة، وأن الذكي من ينفذ بريشه. طبعاً لم توفّر غالبية تلك التقارير خبر انشقاق وزير الدفاع السوري السابق اللواء علي حبيب ووصوله إلى تركيا وراحت تركّز على قصة الانشقاق التي أصبحت فعلياً موضة قديمة. لا بد من أنّ أصحاب هذه الحملة يدركون جيداً أنه في القانون الدولي، تعتبر الدعاية للحرب من أفظع الجرائم، لأنها تجعل الجرائم الأخرى متاحة. لكنّهم مدركون بأنهم يديرون حرباً في عالم مجنون، أكثر ما يجافيه اليوم هو العدل والقانون!