«باسم الله الرحمن الرحيم» يقول الصوت. جسد أنثوي نصفه العلوي عار، يتراءى لنا من الخلف في بقعة ضوء يحاصرها الظلام. مفردات حركيّة متشنّجة متباطئة، لا تلبث أن تدخل في حركة توتّر متصاعدة. باليدين والذراعين أوّلاً، قبل أن تخترق الاهتزازات والرعشات الجسد كلّه. لكن مهلاً، هذا ظهر رجل. المرأة صارت رجلاً. الضحيّة تماهت مع جلادها. أهلاً بكم في «الربيع العربي». عرض نانسي نعوس الجديد الذي شاهدناه في بيروت، بعنوان «تلك الأحذية صنعت للمشي» جوهرة صغيرة.


الرؤية الكوريغرافية منحوتة بعناية. كل العناصر مشغولة ومتناغمة داخل خطاب قويّ وموجع. الرقص (داليا نعوس ونديم بحسون)، الاضاءة (هاغوب ديرغوغاسيان) والموسيقى (وائل قديح) على وجه الخصوص، وأيضاً السينوغرافيا (سينتيا زهّار). كنبة وعارضة وميكروفون وأكسسوارات قليلة كحزام العفّة وحمّالة الصدر التي تصبح كل فردة منها كمّامة. الديكور الحقيقي مكتوب بالضوء يعيد صياغة المساحة، بحركة الجسدين يرسمان حدودها. قوّة هذا العمل الجديد لفرقة «٤١٢٠ جسداً» (المسافة بين بيروت وباريس حيث تقيم وتعمل المجموعة)، هي الوجع الصادق الذي لم تصبه عوارض الايكزوتيكية المحدّقة بكل فنان عربي ينتج في الغرب.
عرفنا نانسي نعّوس واعدة في «لحظة تلاشي» (٢٠٠٨)، لتعود إلينا صاحبة تجربة أساسيّة في الرقص العربي المعاصر. عوّدتنا في الماضي على فلش رؤياها المشهديّة، فإذا بها هنا مقتصدة ومتقشّفة إلى أبعد حدود. كل شيء يحدث في الداخل. عرض مينيمالي عن الكلمات المحبوسة فينا. خطاب مقلق وجودي وسياسي، بمفردات قليلة. «تلك الأحذية صنعت للمشي» عن شحنات العنف التي يتلقّاها الجسد الفرد وسط دوّامة التغيير، في مواجهة لعبة السلطة الأبديّة.


يمكنكم متابعة بيار أبي صعب عبر تويتر | [email protected]