«حفلة غسيل» لقاء مسرحي يجمع بين فنانين من سوريا ولبنان، وبين حروب هذين البلدين على خشبة «مسرح بابل» في بيروت. إنها حرب واحدة في مونودراما للسوري أكثم حمادة نصاً وإخراجاً مع الممثلة اللبنانية رويدا الغالي أداءً. يصعب تحديد عن حرب أي بلد نتكلّم، وقد يكون هذا المطلوب. الحرب واحدة والمتضرر أولاً وأخيراً هو الإنسان. لذا، اختار حمادة تناول الحرب من خلال وطأتها على الفرد المهمّش الذي تنهار أحلامه الصغيرة والكبيرة ليقف عاجزاً حتى على انتشال بقايا أشلائها.


الناطق باسم الإنسان المتضرر هو المرأة «إذ نلتمس كيف تتحول من رمز للخصوبة والتكاثر الى الموت والانهيار والانقطاع لأنها الأكثر تضرراً في الحرب الذكورية» يوضح حمادة. لذا، صوّرها الأخير كأنثى ولدت من أم. أما الأب، فمجهول الهوية غير محدد الملامح. أراد بذلك أن يظهر رقة الإنسان عندما ينمو في غياب الصورة الذكورية المسؤولة عن الحرب، فيشرح «لطالما كانت الآلهة أنثى، إلا أنها عندما تحولت الى إله ذكر، عمّت الحروب أرجاء العالم».
تجسد رويدا شخصية مروى المولودة من رحم امرأة أخرى دون صورة الأب. تلتقي مروى بدورها بشخصيات عديدة جميعها في مكان واحد تنبعث من أبواب مختلفة. ولدت الفكرة عندما كان حمادة في زيارة للبنان، فرأى أحد المباني المهجورة المتروكة كما هي منذ الحرب الأهلية، وقد نبتت في ثقوبها التي خلّفها الرصاص بعض النباتات، فاستلهم من المبنى طبيعة السكان الذين كانوا يعيشون بداخله. ولدت الفكرة وتطورت الى أن أصبحت عملاً مسرحياً يدور حول أحلام شخصيات ستّ خلال الحرب الأهلية في لبنان: هناك من يحلم بصنع أغنية، ومن تحلم بأن تكون طبيبة بيطريّة وتنشئ مزرعة حيوانات، وتلك التي تحلم بإنشاء بيت بعائلة كبيرة ... لكن الأحلام تنهار ويستيقظ أصحابها على فاجعة الواقع. يبدو الأخير في صور ساكو مريراً. ساكو المصوّر الذي حقق حلمه بأن يحفظ كلّ اللحظات، إلا أنّ الحرب حوّلت تلك اللحظات والأمكنة الى مجرد صور تذكّر بمكان لم يعد موجوداً، ما يؤدّي الى إحساس الإنسان بالغربة التامة عن المكان المدمّر حديثاً، الى أن «صارت البلد عالصور».
أما وراء الكواليس، فقد ظهرت تحديات كثيرة في العمل، من بينها أن التمارين أجريت في غضون شهر لأنّ المخرج أتى الى لبنان خصيصاً من أجل العرض. وهو يعتبر وقتاً قصيراً جداً بالنسبة الى العمل على مونودراما تحتاج إلى وقت أطول كي تلتحم علاقة المخرج والممثل في إطار شراكة وثيقة. أما على صعيد النص، فاعتبرت رويدا أنّه تحدٍّ لها لأنها لا تتوافق مع النص الواقعي. غالباً ما تبحث في اللغة المسرحية أكثر مما تبحث في النص «أنا أتحدى نفسي الآن في إمكانية صنع خرق ما في النص وإمكانية خرق النص لي». تحاول بذلك الذهاب الى ما وراء النص المباشر الذي يدور هنا حول احترام كينونة الفرد. كما واجهت معضلة أنّها تتحدث عن الحرب بمؤشراتها السورية. ولذلك لجأت الى وضع العمل في جلده اللبناني، وخصوصاً أنّها تعتبر أنّه يعكس هزيمة كل حرب، وليس تحديداً حرب سوريا أو لبنان. وعما إذا صارت تيمة الحرب في المسرح اللبناني مملّة لكثرة تكرارها، تجيب رويدا إنّ «الحرب لم تنته في لبنان، فالتهديد مستمر، الأجواء مشحونة، لم ندخل في حالة سلم. ليس هناك أمان نستطيع أن نبني عليه حضارتنا بشكل عمودي. قد تبدأ الحرب مجدداً في أي لحظة. الحروب محسوبة بين الدول، وليس هناك من يتطرّق الى عذاب الفرد». وتضيف «هذا الجيل يشبه شخصية كاميليا التي انهارت أحلامها ولا تدري من أين تبدأ. الجيل الجديد تائه ومحطّم».

حفلة غسيل»: 20:30 مساء اليوم حتى بعد غد الاثنين ـــ «مسرح بابل» (الحمرا ــ بيروت) ــ للاستعلام: 01/744033




أكثم حمادة

بدأ المخرج أكثم حمادة (1976ــ الصورة) العمل في المسرح القومي في اللاذقية وفي دمشق. التحق بعدها بأكاديمية الفن في روسيا منذ عام 2000 حتى عام 2008 حيث اشتغل على الكثير من العروض تمثيلاً وإخراجاً باللغة الروسية. اليوم، يعمل حمادة مدرساً لمادة التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق منذ عام 2008 وترجم عدداً من الكتب باللغة الروسية. كما يعمل على عرض مسرحي لم يقدَّم بعد تحت عنوان «إشارات»، علماً بأنّ «حفلة غسيل» هو أول عمل يعرض له بعد عودته من روسيا.