لركوب القطار المتّجه شمالاً لحق الجمهور بتانيا الخوري. أما المتوجهون شرقاً، فمع بترا سرحال، وجنوباً مع عبير سقسوق. هكذا انطلق عرض «تصريح» الذي قدمته مجموعة «ديكتافون» لليلتين في فضاء «أشكال ألوان» (جسر الواطي ــ بيروت). من محطة قطار مار مخايل في بيروت، اتجهت تانيا نحو العبودية، وبترا نحو رياق، وعبير نحو الناقورة. المسارات الثلاثة تقاطعت عند نقطة النهاية على الحدود اللبنانية.


داخل الصالة، توزعت المقاعد على ثلاثة خطوط بحسب وجهة انطلاق القطار. على الأرض، خريطة كبيرة للبنان (تصميم نادين بكداش) حيث تتجول المؤديات الثلاث فوقها خلال العرض، كل بحسب مسارها. أما في الخلفية، فيرافق فيديو رحلة كل منهن (تصوير كرم غصين، دانا أبو رحمة، وتوليف علي بيضون). ينقل الفيديو تفاصيل الرحلة عبر مشاهد من داخل السيارة، وأخرى لمحطات القطار، ومشاهد التقطت خلسة حيث يمنع التصوير. خلال المسارات الثلاثة، تحدثنا كل مؤدية عن تجربتها الشخصية خلال الرحلة، مستغلة توقفها عند محطات القطار كي تقدم لنا المعلومات التي حصلت عليها خلال البحث.
عرض يفضح الفساد المتفشي في الطبقة السياسية الذي أدى إلى إبقاء السكك معطلة بعد مرور أكثر من 20 عاماً على انتهاء الحرب الأهلية، علماً بأنّ للمصلحة موظّفين لا يزالون يقبضون رواتبهم حتى اليوم. يُختتم العرض بسرد شهادات سائقين قادوا آخر ثلاثة قطارات.
من الأملاك البحرية في العرض السابق «هذا البحر لي» (الأخبار 4/9/2012) إلى مصلحة السكك الحديدية اللبنانية والقطارات الثلاثة التي كانت تعبر لبنان منذ 1891 إلى أن توقفت أثناء الحرب الأهلية. من الواضح التزام المجموعة بمقاربة مواضيع تعني كل لبناني بعيداً عن النخبوية. بالطبع، ليس خيار تقديم عرضين في فضاء «اشكال ألوان» الأفضل، لكنّ المجموعة أكّدت لـ«الأخبار» أنّها تنوي تقديم العرض في محطات القطار شمالاً وجنوباً وشرقاً. لكن النقطة الأهم في تراكم أعمال المجموعة تبقى في التجريب ضمن قالب المحاضرة الأدائية الذي اختارته كوسيلة عرض. تنطلق «ديكتافون» في عملها دائماً من بحث معمّق، ويهدف العرض إلى إيصال معلوماته ضمن قالب فني. في «هذا البحر لي»، كانت المؤدية تانيا الخوري تجول ضمن زورق مع أربعة مشاهدين/ مشاركين في موازاة شاطئ بيروت. خلال الرحلة البحرية، قدمت للجمهور كل المعلومات، لكنّه شاركها في تظاهرة بحرية وخرق الأملاك «الخاصة» وسبح فيها.
أما في «تصريح»، فلا وجود لطاولة تجلس المؤديات خلفها ليتوجّهن إلى الجمهور، رغم توفر الصالة المقفلة والكراسي والفيديو، وهي العناصر المعتمدة عادة في المحاضرات الأدائية. كما تم تقسيم الجمهور وتوزيع مقاعده ربطاً بالموضوع المطروح، ووزعت ورقة عليه تظهر مسار القطارات وإرشادات السفر التي تتوسع لتطال التعامل مع الراكب (المشاهد) المجاور والابتسام له. خلال العرض، كانت المؤديات يكتبن ملاحظات على الخريطة الموضوعة على الأرض ويلصقن إشارات تُمكّن الجمهور من تفقدها في نهاية العرض، وكتابة حكاياته الخاصة عليها. في بعض المحطات، طلب من أفراد من الجمهور المشاركة في أداء بعض النصوص، رغم أنّه يمكن استثمار تلك العناصر وغيرها أكثر وتوظيفها بشكل أعمق ضمن تركيبة العرض، إلا أنها تفتح المجال أمام تجريب أوسع في قالب المحاضرة الأدائية. تبقى الموسيقى (تأليف أحمد خوجا وخيري عبيش) وبعض اللحظات الشاعرية في النص النقاط الأضعف، فالموضوع بحدّ ذاته يحمل كمّاً كبيراً من النوستالجيا الكامنة في مشاهد محطات القطار المهجورة، علماً بأن المجموعة نجحت في تفادي لحظات البكاء على الأطلال، وحوّلت المشروع إلى بطاقة سفر على طول السكك الحديدية في المنطقة لإعادة ربطها ولو بالخيال. يبقى العرض الذي قدم في بيروت المرحلة الأولى في المشروع الذي سوف يتم توسيعه من خلال بحث ميداني إضافي، إذ تنوي المجموعة تطويره ونقله إلى المناطق والبلدان التي شهدت امتداد السكك الحديدية.