ما بين مونديالي إسبانيا عام 1982 والبرازيل عام 2014، عبر الجحيم بيروت. حرب أهلية قذرة (اندلعت عام 1975) خلّفت حوالى 120 ألف قتيل، و150 ألف جريح، ومليون مهاجر، أي ما يعادل ثلث السكان. حسن برّي قاتل في صفوف الحزب الشيوعي بين عامي 1979 و 1982، دفاعاً عن أفكار الحزب. إدوارد شمعون حارب في صفوف القوّات اللبنانيّة بين عامي 1975 و1986، من «أجل وجود المسيحيين». كلّ منهما اعتقد أنّه يطلق النار للأسباب الصحيحة. الأدهى أنّ إسرائيل قرّرت اجتياح لبنان عام 1982، قبل أسبوع واحد من المونديال الأندلسي. هنا، يحطّ «لبنان يربح كأس العالم» (2015 ـــ 23 د.) الرحال، إثر عرض تاريخي سريع.

فاز شريط طوني الخوري والأميركي أنتوني لبيه بجوائز عدة

«دوكودراما» قصير للبناني طوني الخوري (1981) والأميركي أنتوني لبيه، تمكّن من الفوز بجائزتي أفضل وثائقي قصير، في كل من «مهرجان وارسو السينمائي» (9 – 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2015)، و«مهرجان سانتا باربرا السينمائي الدولي» (3 – 13 شباط/ فبراير 2016).
«الحرب وكرة القدم» ما جمع الشابين. الخوري درس السينما، ثمّ طوّر مهاراته في بعض الكليبات، قبل أن ينخرط في معترك الفيلم المستقل كمخرج ومنتج وسينماتوغرافي منذ عام 2012. لبيه آتٍ من الصحافة. عمل كمنتج لصالح بعض القنوات، وكتب الجزء الذي أخرجه روبرت ريدفورد من الشريط الأنطولوجي «كاتدرئيات الثقافة» (2014). الاثنان قرّرا منح كأس العالم للبنان. السينما كفيلة بتحقيق أيّ شيء.
في أتون الاجتياح، كان حسن مهموماً بمعركة أخرى: ربع النهائي بين البرازيل وإيطاليا. في منطقة «الأوزاعي»، قام بوصل بطارية إلى تلفزيون صغير لحضور المباراة. بدأ «السحرة» بتناقل الكرة، فهدأت الحرب بما في ذلك القصف الإسرائيلي (المفارقة أنّ حكم المباراة «أبراهام كلاين» إسرائيلي). على الطرف الآخر من خطّ الاشتباك، إدوارد لا يقلّ ولاءً لمنتخب السامبا. بالدليل القاطع، ثبت أنّ حمّى كرة القدم قادرة على إسكات المدافع، وتبريد الجبهات بين بيروت الشرقيّة وبيروت الغربيّة. صفّر كلاين معلناً نهاية «مأساة ساريا». عاد القصف الوحشي على الفور، واستمرّ القتال. شمعون فقد معظم ساقه اليسرى، فيما أصيب برّي في يده وأذنه.
بعد 32 عاماً، انطلق المونديال الجديد. بيروت منقسمة أيضاً، ولكن بين منتخبي ألمانيا والبرازيل. الخوري ولبيه شغّلا الكاميرات. جالا الشوارع والأزقة والمقاهي. سجّلا صوراً حقيقيةً لهستيريا التشجيع والحماس. فقط في بلد كلبنان، يتعصّب الجمهور لمنتخب ما أكثر من أهل بلده. ولكن مهلاً، هذه فرصة للجمع بين حسن وإدوارد. كلاهما عاشق للبرازيل التي تواجه تشيلي هذا العصر. كلاهما مصاب حرب. كلاهما دفع الثمن. كرة القدم جمعت «أعداء الأمس» إلى طاولة واحدة. هلّلا، صرخا، قفزا فرحاً بمنتخبهما. الأهم، اكتشف كل منهما الإنسان في الآخر.
إضافةً إلى الصور الحيّة، وشهادة البطلين، يلجأ الشريط إلى أرشيف الحرب والرياضة. يعمد إلى إعادة تصوير بعض المشاهد، مستفيداً من لمسة الدراما. يوظّف شغل المؤلّف الموسيقي Oak. كل ذلك لوضع الشخصية اللبنانية على المحك. سعياً للتصالح والخلاص، لا بدّ من مواجهة مع الذات، مع الماضي المظلم، مع المسكوت عنه. أحياناً، يكون «ما بعد الحرب» بمشقّة «الحرب» نفسها. هنا، تلعب الصورة دورها البديهي في مجابهة الحقيقة، بعيداً عن التخدير الممنهج الذي تقترفه الدراما التلفزيونيّة المسطّحة. مسلسلات الخيانة وأرطال البوتوكس وبرامج الفضائح، لا تريد أن تعرف شيئاً عن تلك الحقبة. لا تكترث للتطهير الذي يستشعره إدوارد عند الغوص في البحر. في المقابل، يؤخذ على الفيلم تكرار بديهيات، في نوع من الخلاصة وتقديم العبرة. الحرب أمر سيئ. الكل يعلم ذلك.