بعد انكبابه في الآونة الأخيرة على الـ «ستاند آب كوميدي» تمثيلاً وإخراجاً، يعود جو قديح إلى جمهور «مسرح الجميزة» بعملٍ مغاير. «غرام أو انتقام»، نصٌ مقتبس عن رواية «العلاقات الخطرة» للكاتب الفرنسي دو لاكلو (1741 ـــ 1803) أحد قادة ثورة عام ١٧٨٩.
يطرح خيار هذا النص جملة من التحديات أبرزها عملية الاقتباس، إذ أنّ الرواية المذكورة تنتمي إلى نوع «أدب الرسائل» أو ما يعرف بـ Roman Epistolaire، حيث يبنى السرد ومضمون الرواية على سلسلة من الرسائل المتلاحقة التي تجمع شخصيات متعددة. وهنا يكمن التحدي في تحويل رواية من هذا النوع إلى سلسلة مشاهد وأحداث درامية ذات وقع يجمع الغواية والحب والطرافة في آن واحد. كما أنّ تلك الرواية تعتبر من أهم الروايات الفرنسية في القرن الثامن عشر، وهذا تحدٍّ آخر يضاف إلى جعبة قديح. ليس عليه فقط أن يتحمل عبء مسؤولية مسرحة عملٍ ذي قيمة أدبية مماثلة، إنما عليه أيضاً أن يتعامل مع خيار الإبقاء على جو القرن الثامن عشر الفرنسي بذكاء لا يسلب المشاهد فرصة التفاعل مع الحدث كما لو أنه آني ومحلي معاً.
تتحدث رواية دو لاكلو عن كونت دو فالمون الذي ترسل بطلبه الماركيز دو ميرتوي وتحثه على مؤامرة تعيد إليها أحد عشاقها. من هنا، تظهر لنا شبكة علاقات تجمع فالمون، بمدام دو تورفيل، بسيسيل دو فولانج، ودانسيني الفارس الوسيم وقد بنيت جميعها على الغواية والإغراء تارة، المغامرة والخيانة طوراً، وصولاً إلى اكتشاف الحب بعد فوات الأوان.
فالمون (جو قديح)، الرجل الذي لعب دور غاوي معظم النساء، يقع في حب مدام دو تورفيل المتزوجة بعد تدبير مؤامرة لأحد عشاق الماركيز دو ميرتوي عبر الإيقاع بسيسيل الفتاة اليافعة التي ينوي الزواج بها. مقابل ذلك، تعده الماركيز بعودة مياه علاقتهما المتقطعة إلى مجاريها ولن نغوص أكثر في شبكة العلاقات المعقدة تلك كي لا نوحي أن حكاية العرض شبيهة بالمسلسلات المكسيكية المفرطة في سطحيتها، بخاصة أنّ الرواية اعتبرت من الروايات التي تطرقت إلى موضوع التحرّر الذي كان تياراً فكرياً رائجاً في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وضم أهم المفكرين ودعا إلى التخلص من الدين والأعراف.

عمل كلاسيكي لا يخلو من بعض التغريب

حقيقة الأمر أن هذا العمل أعاد إلى الواجهة قدرات جو قديح الإخراجية التي تبلورت في تنفيذ عمل كلاسيكي لا يخلو من بعض التغريب. عرف قديح أولاً كيف يخلق جو القرن الثامن عشر من دون الكثير من الادعاء. في الوقت عينه، لم يغفل ـــ عبر بعض الإشارات ـــ مسألة تذكير المشاهد أن ما يجري على الخشبة هو آني وعابر للأزمان وللأمكنة. بدا ذلك بديهياً في لعبة الرسائل التلفونية التي تم التلميح اليها بين حين وآخر، ومن خلال المشاهد الراقصة وبعض الأزياء والخيارات الموسيقية التي لم يحصرها المخرج في حقبة معينة. لعبت المشاهد الراقصة دوراً أساسياً في خلق ديناميكية أخاذة ضبطت ايقاع العرض، وأضافت بعداً وجماليةً على إحدى تيمات النص المرتبطة بالإغراء والغواية. اعتمد قديح على رقص الصالونات، وقسم مشاهده الراقصة بين الفالس والتانغو وبعض المشاهد التعبيرية على أنغام مقطوعات موسيقية اختارها بعناية مصمم الصوت إميل عواد.
ساهمت في إضفاء تلك الروحية المميزة للعمل، السينوغرافيا المتقنة، إلى جانب تعامل الممثلين مع الفضاء بشكل اتسم بالسلاسة الموسيقية. السينوغرافيا عبارة عن حائط نصف دائري يرسم حدود الخشبة، مغلف بالورق المطلي الزهري وأبواب أربعة تنظم دخول وخروج الممثلين إلى الخشبة. بيانو على يسار المسرح وكنبة خشبية، ثريات في أعلى السقف، ووشاح أحمر يتنقل بين الممثلين. هذا الاختزال لفضاءات الحكاية عبر تلك العناصر، أراح نظر المشاهد وجعله يركز على نص العرض وعلى أداء الممثلين.
الاقتباس المسرحي الذي قدمه كل من ماري كريستين طياح وجو قديح لرواية دو لاكلو كان ذكياً في طرحه، والأهم أنه لم يقع في لعبة الابتذال حين أضيفت اليه بعض اللحظات الكوميدية، يُذكر منها اللحظات الخاصة بالرسائل التلفونية التي مرت في سياق العرض. لم يقع جو في فخ استهلاكها لكسب المزيد من الضحك في العرض، مرّرها بين وقت وآخر من دون إفراط. دوزن جو وماري كريستين المواقف الكوميدية مع المشاهد الدرامية والمشاهد الراقصة بشكل يبقي التصاعد الدرامي بارداً ومؤثراً في آن.
كان أداء الممثلين جيداً بشكل عام. رغم أن ايقاع العرض كان في بدايته بطيئاً ولم يخل من بعض السقطات التمثيلية الصغيرة، الا أن الوضع تغير، تحديداً منذ مشهد دخول فالمون إلى غرفة سيسيل. منذ تلك اللحظة، كان وقع الأداء مختلفاً. أتقنت برناديت حديب لعب دور الماركيز دو ميرتوي، وتألقت باتريسيا سميرة (سيسيل) وسولانج تراك (مدام دو تورفيل) في لعب دورهما. ولم يكن أداء جو قديح وبرونو طبال (دانسيني) أقل جودة رغم أن حضور السيدات كان مميزاً. وقد أعطى دخول رينيه ديك (عمة فالمون) في الجزء الأخير من العرض، قوةً يستعان بها في المشهد الأخير: اذ خلقت لحظات دخولها الأولى مزيداً من التشويق، كما أضاف وجودها هالةً ما على العرض بأكمله. يبقى القول إن المشاهد الراقصة (تصميم مازن كيوان) ـــ بالرغم من كونها لعبت دوراً إيجابياً وأساسياً في العرض ـــ كان ينقصها المزيد من الإتقان أحياناً.
سيبقى المشهد الأخير للعرض أخاذاً ومفاجئاً في مشهديته وأحداثه... على الجمهور أن يتحضر للحظات مثيرة على الصعد كافة!
«غرام أو انتقام»: حتى 27 آذار (مارس) ـــ من الخميس حتى الأحد ـــ «مسرح الجميزة» ـــ للاستعلام: 76409109