في ظلّ الغربة التي تفرضها علينا الكثير من الأعمال الدرامية المحلية، يردّنا «أماليا» إلى واقعنا، ويستدرجنا إلى متابعته مساء كل يوم عبر lbci. أتقن المسلسل محاكاة الذات اللبنانية، متمكناً من إعادة وصل الشرايين المقطوعة درامياً في الغالب مع البيئة المحيطة.


بعيداً عن النصوص المستوردة أو تلك المفبركة، تدور في قرية مسيحية قصة «أماليا» (إنتاج «مروى غروب»)، الأرملة ــ الأم التي نبذها أهلها وأهل زوجها لاقترافها «جرم» الاقتران برجل من ديانة أخرى.
مع امتزاج أجراس الكنيسة بالأذان، تبدأ قصة أماليا (نادين الراسي)، المرأة المسيحية التي تزور قبر زوجها المسلم، قبل أن تنتقل إلى الكنيسة. وإذا كان مشهد الكنيسة والجامع الاستهلالي استهلاكياً، إلا أنّ ما يخفف من نمطيّته أنّه جاء في سياق موضوعي، ومنسجماً مع الفكرة وليس عبئاً عليها.
يحمل العمل في طيّاته دعوة إلى التسامح بين الأديان ونبذ الطائفية من دون الوقوع في فخ التنظير. وإلى جانب تداعيات الزواج المختلط، يعالج العمل بواقعية إشكاليّات الزواج بأجنبية، والمساكنة، والزواج المدني، وسفاح القربى. قضايا مهمة ترتكز على حوارات عفوية قريبة من الناس، متخطيةً عقدة التفلسف والعمق المصطنع الذي تقع فيه سيناريوات أخرى.
ولعلّه النص الأفضل حتى اليوم للكاتب طارق سويد. بل إنّه مؤشر على نضج تجربته في الكتابة. علماً بأنّ عملاً آخر بعنوان «حلو الغرام» (بطولة كارلوس عازار وجويل داغر، وإخراج جو فاضل) من كتابته يُعرض له بالموازاة على mtv (الخميس ــ 21:30)، إلا أنّه أقل جاذبية. ربما لأنّه عمل «مقروء»، بحيث يمكن توقّع مسار أحداثه مسبقاً، ما يقلّل من مساحة التشويق المفترضة.
بحرفيّة تدور كاميرا المخرج سمير حبشي الذي يحاول أن يصنع تجربته بعيداً عن الرائج، وهو الحذِر في انتقاء النصوص وفي اختيار ممثليه أيضاً. تسرق عدسته لقطات جميلة تحملنا إلى أجواء الريف، متكئاً على حسن اختيار الموسيقى التصويرية لزياد الأحمدية. هذه المرّة، لا قصور ولا بهرجة ولا مظاهر على حساب المضمون. ملابس بسيطة تكمّل بمعظمها عناصر المشهد القروي، وأحداث مقنعة تعبر إلى المجتمعين المسيحي والإسلامي في سياق درامي متماسك. والرهان على الأداء. وهنا نقاش آخر!
تمكّن مخرج مسلسل «باب إدريس» (2011) من كسر الانطباع الشائع بأنّ المخرج السوري أو المصري قادران على استخراج طاقات الممثل اللبناني الذي يقدم أداءً ضعيفاً في الأعمال المحلية. نلمس لديه هنا بشكل واضح فن إدارة الممثل. أجاد كل من حسّان مراد الآتي من عالم السينما في دوره كمهووس جنسي، ونادين الراسي وإليسار حاموش وميراي أبي جرجس. وتميّز رودني الحداد ــ الحذِر في إطلالاته الدرامية ــ في أدائه الذي يلامس القلب. كذلك أعطت مشاركة الفنان المخضرم جهاد الأطرش عبر شخصية خوري القرية زخماً للعمل.
من دواعي التفاؤل أن يقدم عمل لبناني خالص (32 حلقة) ما يستحق المتابعة. وحسناً فعلت «المؤسسة اللبنانية للإرسال» بعرضه خارج البازار الرمضاني. خاصة أن المسلسل يمكن أن يجمع حوله العائلة من الأعمار كافة. «أماليا»... آمال جديدة للدراما اللبنانية.

«أماليا»: يومياً ما عدا الجمعة والسبت 20:30 على lbci