نعرف ليوناردو دافنشي (1452ــــ 1519) الرسام، صاحب لوحة «الموناليزا»، لكنّ هذه الصورة ستبقى ناقصة ومجتزأة، بمجرد أن نتعرّف إلى جوانب أخرى من شخصيته الاستثنائية، وخصوصاً في ما يتعلّق بنصوصه الأدبية، وتأملاته في الطبيعة، بالإضافة إلى اختراعاته العلمية الفذّة.

في كتاب «ليوناردو دافنشي: الأعمال الأدبية» (دار التكوين ـ دمشق، ترجمة الشاعر السوري أمارجي) إطلالة على إشراقات هذا الإيطالي الغامض، وتجواله في حقول متنافرة. وربما لهذا اختاره الأميركي دان براون في روايته «شفرة دافنشي» لكشف أسرار وألغاز ورموز وجماليات تتعلّق بميراثه الفني.
لن نجد في الكتاب موضوعاً محدّداً، بقدر ما هو شذرات تأملية وتنبؤات علمية، ورسائل، وأشعار، ورسوم توضيحية لبعض اختراعاته العلمية، وأصول لوحاته.

يقول في إحدى نبوءاته المبكّرة «سيمتلئ الفضاء بسلالة متوحشة مجنَّحة، تُغيرُ على البشر والحيوانات، وتتغذّى عليهم بصرخاتٍ مهولة مالئة بطونها بالدم القرمزي»، هذه النبرة التشاؤمية تتكرّر في كتاباته، بخصوص مصير البشرية في المستقبل، نظراً إلى الوحشية التي تتحكم بالبشر. وسيخترع لاحقاً أول آلة طائرة في عام 1488؛ إذ يصف كيف تحلّق كبجعة في السماء، بالإضافة إلى تصاميم لمدفع حربي، وعربات قتالية، ومنجنيقات، وكان يوجه الرسائل إلى الملوك والقادة لتبني اختراعاته بنوع من التوسّل الذي قد نستغربه اليوم.
يكتب في إحدى رسائله: «لديّ أنماط من جسور قوية وبالغة الخفّة، معدّلة لكي تُحمل بسهولة فائقة، ومعها تستطيع أن تتقدّم، وأن تتراجع في أي وقت أمام أعدائك، وأخرى مُحكمة منيعة على النار والمعارك، وكذلك ابتكارات لحرق وتدمير جسور العدو». وفي مقطعٍ آخر، يضيف اختراعاً آخر «لديّ كذلك أصناف من مدافع الهاون، مطاوعة للغاية وسهلة الحمل، بها يمكن المرء أن يقذف حجارة صغيرة على نحوٍ يشبه العاصفة، ومن شأن الدخان الخارج منها أن يبث رعباً كبيراً في روع العدو، مع إلحاق أذى كبير به وتشويش صفوفه». ويذكّر في آخر الرسالة بأنه محتاج إلى المال، وخصوصاً أن شقيقه الأكبر استولى على ميراث والده. وها هو يلتمس من «السيد المبجّل» رسالة توصية إلى القاضي ليعيد له حقه المستلب، وينهي بعبارة «خادمكم المتواضع الرسّام ليوناردو دافنشي». يعوّل صاحب لوحة «العشاء الأخير» على التجربة، أكثر من اعتماده على كلام الآخرين، فالتجربة هي «المعلمة الكبرى». من هنا نقرأ تأملاته في الطبيعة وحياة الحيوان، مشيراً إلى أن أعمال الطبيعة «أعصى على التفسير من كتاب شاعر»، فيما يتناول طبائع الحيوان بدراية واضحة، تذكّر بما أورده الدميري في كتابه «حياة الحيوان الكبرى».
في فصولٍ أخرى، يروي جوانب من تجربته في الرسم واللون وعلوم التشريح وأحوال الضوء، وعمل الحواس، مؤكداً المخزون المعرفي والصبر والمهارة معاً.
تغلّف تأملات دافنشي، وخصوصاً رسائله، حالة من البؤس والشكوى، غامزاً من جهل معماريي الكاتدرائيات عداه، فهو «الطبيب المعماري الذي يعرف جيداً ماهية البناء». ويشير ليوناردو دافنشي في أحد نصوصه الأخيرة، إلى أنه أنجز نحو 120 مخطوطاً، وهذا ما يؤكد أنّ معظم كتاباته ما زال مفقوداً.