عبيدو باشا *

لا عزيزاً ولا حبيباً، أنسي الحاج. لأنّ الأعزاء يفتقرون إلى صفات مشتركة، ولأنّ الأحباء أبناء بيئة تتداول الحب كسلعة، بدون ثقافة. الحب ثقافة، لا أيديولوجيا. حوّل اللبنانيون الحب إلى أيديولوجيا، لا تنفك تكرر الأفكار السائدة عن الحب. حبّ روميو وجولييت. حب قيس وليلى، حب عنترة وعبلة. الحب، لا ما نعرفه عن الحب. الحب، ليس ترجمة. الحب، شاطئ برمال، يعرف المحب أن يستمتع على شواطئها، وهو يعرف أن الحب هو الوضوح في الرؤية، لا إنكار الآخر. الحب حربٌ مفتوحة، على كل اشتقاقات الحرب. حوّل اللبنانيون الحب إلى أيديولوجيا.

انقسموا، من جراء ذلك، إلى فريقين، على ضفتين، ينتظران الانفصال. مجموعة على يابسة فوق اليابسة. مجموعة أخرى على يابسة في البحر، أشبه باليابسة في فيلم «اندرغراوند» لأمير كوستاريكا. كل طريق يقود إلى الحب إلا الطرقات في لبنان. لطالما بدوتَ أرضاً على ماء البحر للفتى الواقف على سحابة، يدقّها برؤوس أصابع قدميه كي يضيف طولاً على قصر قامته، بحيث يقترب من صفحة ملحق «النهار» الأولى المعلّقة على الحامل الحديدي. لا بعد جمالياً للصفحة الأولى. بعدها من محنة الأزهار وهي تفتح أذرعها للفقراء الطامحين، باستخدام المفردة البسيطة، للخروج من فقرهم. تلك نيازك الحرية المشتهاة. منحت النيازك هذه، لمن امتلك قلباً راجفاً منذ لحظة الولادة. منحت الفتى، بتراجيدياه، الأمل. منحته الانتظار في الصمت البعيد في الطريق إلى أحلامه في سهول الحرية.
ذاكرة كامنة في الصور الشفافة، غير المتكلفة في حياة الفتى. اسمه عبيدو. لم يفنَ اسمه في وحدته وهو لا يزال فتياً، طرياً، يشير إلى الريح، كما لو أنها الشجرة. وقوف بموت عميق، تحت الحامل، فوق الحلم. هذا دينٌ عليّ، لن أفوّت سداده. لا أزال أحسّ طيراني، فوق الصفحة الأولى من الملحق، محلّقاً فوق قبور الموتى إلى مناداة العابرين. خلقت فضاءات مدهشة، بدون تكلف. خلقت حالات شعرية آسرة. لا أتكلم عن «لن» ولا عن «الرسولة بشعرها الطويل». أتكلم عن سمائك، سماء عيسى، بغيابه المشرق وإشراقه المومض في عيون القلوب. لا تزال مؤسس ريادة. ريادة في النقد وريادة في الصحافة وريادة في الشعر. لم تقبل بأن يموت الملك في «الملك يموت». بقي ملك المسرح ملك الأرض، مذّاك. هذا مدماك بوعي مأسوي. هذا مدماك، ببعد جمالي. تنامت التيمتان مذّاك، بحيث رقصت ضد النظم والقافية، بكل الرؤى، بنضال لا علاقة له بالنضالات الراهنة. إثراء وتعمق لا يفوتان على جيل، على أجيال. لن نقبل بصوغهما، كما صغتهما في الآونة الأخيرة. وقوع في سماء المصطلح وسياقاته ونظمه. مات الإيقاع في الصرف والنحو في الجمل العادية. فوّت فرق الموسيقى في قلبك، بصالح الإبحار إلى الجزر الهانئة وأقواس قزح أشبه بحقائب ملونة بأيدي سيدات، يتباهين، بآخر المصروفات على آخر المشتريات في الأشرفية أو الحمرا، أو اختر مكاناً آخر غير المكانين المختارين. من زمان، كل كلمة ظفر، لمن تتوجه إليه. كل كلمة، شعور، بلا عواطف جياشة. ملاحم متتالية، ملاحم متلاحقة. الملحمة، ظِفرُ الكتابة بأيامك البعيدة. كل كلمة وحش. كل كلمة كائن، خرافي، أسطوري، لا يوغل إلا لأنه يطير. كتابة وترجمة ونقد وإحياء للحواضن أمام من يبحث عن حاضن أو حاضنة. لا تزال أنسي الحاج.
لا تزال أنسي الحاج في زمن قلّ فيه المصطفون. لا تزال تعيش، ضد النهار، على حافة الابتهاج لا الانفجار. أبدلت الأول بالثاني وأبدلت الثاني بالأول، بالصفحات الأواخر في «الأخبار». لن يحول شيء دون بقائك عاشقاً، في البرد المديد أو في القيظ الشديد. برد العمر وقيظ الدهر. ذلك أنّك لا تزال الكاهن المشغول بتجفيف نباتات الفطر، بقصة من قصص الزن. تأمل طويل، ثم ضربة جبارة، خارقة، تنتج هلع الفن من الشكل الثابت. سأل رجلٌ الكاهن، أن يترك الوظيفة هذه لآخر. أجابه، الآخر ليس أنا وأنا لست الآخر. أنت من أنت. كاتب النشوة، متذوق الأفراح مذيقها للآخرين. لن تغادر جيرة ثقافتك هذه لأنك، إذ غادرتها، تترك خلفك، جيلاً من الأيتام المجانين. لا تتكلم بعد عمّا حفظه الله من مسيحيتك. لا تمدح شاعراً سطحي الحضور، خفيفه. لا تمدح إلا بحنانات اللقاءات المحسوبة وغير المحسوبة. لا يتمثل الأمر الحقيقي خلاف ذلك. لا تعقِّل الجنون. تلذّذ بعشاءات الكتابة، عند طرف الليل ونشوة الجفن في الهواء المالح. لا يشبه حضورك ذبول اللون الأصفر. تملك رجلين، تملك قلباً، يسع النثر في القصيدة والسيدة الجميلة. لا أحسب أنك توالف، لكي تخضع. لم يعد أحدٌ يمتلك توازنه العمودي. هذا صحيح. نرتكز على أوتاد داخلية. أشك بأن عفريتك مات. أشك، بأنك ستستمر في إنكار ذاتك القديمة، مخصصاً مساحة في صفحة للكلام عن عقد وهمي مع دار نشر أو أن تنتهي مردداً، أنك لست إلا عابرات. يليق بك المؤنث. لأن الأنثى أجمل الكائنات. تكتب اليوم، برباطة جأش. لا أجد ذلك يليق بمن وضع حداً للتكرار، وهو لا يزال بلا شارب واضح أو ذقن فارس بائنة على صهوة شجاعة بالغة. ليست حيلة أن تشير إلى عشرات الأسماء في حياتك. الحيلة، المكر، في إخفاء من تحب، من تعشق، بمن تتولّه، بزحام من ذكرت.
كل ما قرأته لك، أخيراً، يتنكّر للنضوج والزمن والجدلية. أعرف أنه ليس زمناً طيباً، زمن النط من غرامشي إلى سمير جعجع ومن تيار دي شاردان إلى تيار «المستقبل» و«التيار الوطني الحر». تيارات تكره الصخور، لذا لا تنفك تغذي نفسها بالإثارة على لحم الناس وصور أولادهم في المستقبل القريب أو البعيد. لا يتخيّل هؤلاء إلا الحلول المؤلمة. معهم، من يستخدم الاستيهام المتهوس بالخلاص. لن تجتاح عظمة نكران الذات «حزب الله» منذ أن نفد صبره على نفسه، سابحاً في تسويات الوضع الداخلي وخضّاته. لا أزال أؤمن بمقاتليه، أصحاب الصبر العشقي، على قتال العدو في الجنوب. يعرف الجميع أن عصب المدينة مات. أنها تريّفت. أن لا عودة لبيروت مدينة الذهب من اشتهاء الآخرين لها. أعرف، ما لا يعرفه الآخرون. أعرف أنّ آباءنا آخر جيل آباء. أعرف أن من مات مات. أعرف أننا لا نزال خارج التاريخ، ونحن نشتري ونبيع في الجغرافيا. لا شيء يدوم. لا تدري، أنني تركت رفاقي، شهداء على التلة في عام ١٩٧٨. تسعة عشر شاباً، أشباه خواتم أجمل الروايات، يموتون، لا على السفوح، بل على القمم. استشهدوا بلا اضطراب، وهم يواجهون، بالفنان بداخلهم، أصحاب الأمزجة السيئة، الغيورين من أصحاب الأرض. الإيمان هو الفلسفة الأبسط في فلسفات الحياة المعقدة. محمدي يتناول، يقرع أجراس الكنائس، يخدم القداس، بدون أن يسقط في رهاب الغناء بالصوت الباكي. فعلتُ ذلك بدون أن أتأكد من أن من تحبه يحبك. لا يفيد استهجان الكنية ولا البنية ولا غدر البني آدم للدين. الدين، ليس شمعة في كنيسة، صغيرة، ذات معمار باروكي أو بيزنطي. ولا حوامل المصاحف في الجوامع. الدين، ليس أرغولاً. الدين، جنون اللغة. وإلا لما أبقيت، صديقي كريم في بيتي، حتى انتهت إحدى جولات الحرب الأهلية في لبنان، لا حروب الآخرين على أرض لبنان. ليس بسيطاً، أن ننطّ من ماركس إلى جماعة اللغط بالاختصار أمام تماثيل المتاحف. ولا من فخر الدين إلى لينين. كلما تذكرت تروتسكي، انفطر كلي. كلما تذكرت أبي، تزداد فائدة الحياة وهو يردّد «العيشة بلا نصارى خسارة». لا يعرف الرجل القراءة ولا الكتابة. لم يشترِ الحكمة. إنه يكرهها. وجد الحياة في الحياة. مسيحيٌ، خير إن شاء الله. مسلمٌ، خير إن شاء الله. درزي، بوذي، رومي، علمانيٌ، خير إن شاء الله. يا الله على بلاد تتاجر بكل الأشياء، حتى بالله.
لا أزال مواطناً عالمياً. لن أقبل بأقل من ذلك. أضحيت، مواطناً عالمياً، مذ شددت بأصابع قدميّ الصغيرتين على غيمة الحلم، حتى أصل إلى منشورك، إلى بيانك، على حامل الصحف العالي. المؤسف أنّ الصحافي غادر دوره. أضحى حماماً زاجلاً عند السياسي. المؤسف أنّ للسياسي الصفحات الأولى إذا وضع إصبعه في أنفه، في حين لا يتحصل الفنان أو الكاتب أو المثقف على خبر ١٨ في صحيفة، في حال خرج من غموض تجربة واضحة إلى غموض آخر. أن تكافح من أجل موضوع عصيّ، هذا عبادة محضة. قرأت ذلك، بدون أن أقرأ في حياتك، المعلقة على حامل الصحف المعدني. لم تتمكن، قط، من الإجابة عن سؤال. لا تجده الآن. ليس كل العشاق أوديب. ليس مصدر النعم واحداً. لا تعاكس معرفتك. لا تكتب للورقة البيضاء. ينضب الخزان، لا علاقة لذلك بالاقتصاد الأسود. هذا منطق الحياة. لم يطبعك شيء بانحرافه. لم تتنازل، نازلت. لم تسل، غطست في وفرة من الجمال. الخزان يحتوي، فيما النبع يفيض، بحسب بلايك. العشق ليس معدّلاً وسطياً للحالات. أهديتنا شيئاً براقاً نادراً، من وفرة الطفل فيك. لا علاقة لك بالديكورات البالية. لا علاقة لك بالتسويات. هكذا هي الحياة. نقع سبع مرات وننهض ثمانياً، كما تقول القصيدة الشعبية اليابانية. لم تقع مرة. لن تقع مرة.
* كاتب ومسرحي لبناني