«قلق، كوابيس وانهيار عصبي. هناك فقط عدد معين من الصدمات النفسية التي قد يتحمّلها المرء قبل أن ينزل إلى الشارع ويبدأ بالصراخ». هكذا تشرح ياسمين بطلة فيلم وودي آلن الجديد Blue Jasmine (الياسمين الأزرق) سبب الحالة العصبية التي أصابتها بعدما تشظت أمام ناظريها المرآة التي اعتقدت أنها حياتها ذات يوم.


فجأة، انتقلت من فيلم «الحياة المثالية» في نيويورك مع زوجها الثري المحبّ إلى فيلم «الحياة الكوارثية» التي تلعب فيه دور امرأة وحيدة ومفلسة تعيش مع أختها في ضواحي سان فرنسيسكو الفقيرة بعدما اتضح أن كل ما كان في حياتها مزيّف، زوجها وماله كما كل شيء آخر.
رغم الشبه الواضح بين الفيلم ومسرحية تينيسي ويليامز «عربة اسمها الرغبة»، إلا أنّ ياسمين ليست تماماً بلانش دوبوا في مسرحية الكاتب الأميركي الشهير. شخصية بلانش حادة أكثر من ياسمين تحمل كماً أكبر من العنف الداخلي، والصراع بين الأختين في المسرحية هو نقطة الارتكاز الدرامية. لكن في «الياسمين الأزرق»، يضيف وودي آلن كعادته تلك الخفة الغريبة إلى شخصياته التي تتناقض مع تأزّمها الدرامي عبر حس السخرية اللاذع لكن ليس السوداوي تماماً. إنه أسلوب أقرب إلى الاحتفال بالعدمية الذي نراه في كل أفلامه ويلعب دور المنقذ الأساسي من دراما الحياة التي لا تنتهي. في حديث معها حول الفيلم التي تؤدي بطولته، قالت كيت بلانشيت: «البصمة الرائعة لوودي آلن كمخرج تعود إلى أنه يتناول مواضيع كالطلاق أو السرطان أو الانهيار العصبي كما في «الياسمين الأزرق» من منظور عبثي تماماً. نحن فعلاً كائنات عبثية. هذا ما يجعل أفلامه ناجحة» وتضيف: «العامل الذي يذكر بالتراجيديا اليونانية في «الياسمين الأزرق» أنّ حياة ياسمين كان مقدراً لها أن تنهار حتى قبل أن يحدث ذلك». تجسد كيت بلانشيت شخصية ياسمين التي أوكلها إليها وودي آلن ببراعة تجعلنا نشكك أنّ الفضل يعود إلى المخرج وليس لبلانشيت. قلما اهتم وودي بصياغة شخصيات نسائية مثيرة للاهتمام فعلاً. في أفلامه السابقة، لطالما بدت الشخصيات النسائية نمطية أو تدور كلها في فلك مخيلة البطل الذي يلعب هو دوره في الغالب حتى في أفلامه الأخيرة كـ«فيكي كريستينا برشلونة». رغم أنّ بطلات الأخير نساء، إلا أن البناء الدرامي للشخصيات كان مسطّحاً. لكن الأهم أنّ المعلّم الأميركي لطالما جعل بطلاته ضحية الرجل إلا في «الياسمين الأزرق» حيث ياسمين المذنبة الأولى عن إفلاس زوجها وانهيار علاقتها.
لعل أكثر ما يثير الجدل في مسيرة آلن هو تنقّله بين أساليب عدة في الاخراج بشكل يستحيل أن تتلاقى في تاريخ أي سينمائي آخر. يصعب أن نتخيل أنّ المخرج الذي أنجز أفلاماً ذاتية حيث هو الكاتب والمخرج والممثل في آن، يقدم لنا اليوم «الياسمين الأزرق» الذي يتبنى وجهة نظر نسائية خارجة تماماً عن الذاتية التي اعتدناها لديه. يترافق هذا التغيير مع نزعة المخرج إلى تبسيط الحبكة الدرامية في معظم أفلامه الأخيرة، الأمر الذي ينظر إليه الكثير من النقاد على أنّه يعكس استسهالاً معيناً. لكنه قد يعبر أيضاً عن رؤية إخراجية لها فلسفتها الخاصة. تجريبية وودي آلن وسهولة انتقاله من أسلوب إلى آخر تنبعان ربما من عدميته المطلقة التي يتبرأ فيها حتى من نفسه ومن أعماله، إذ يصف أفلامه في مقابلة حديثة على قناة BBC بأنّها «مجرد إلهاء عن هذه الحياة وما سيليها، العدم»، يضيف: «عندما يسألني الناس عما سأخلّفه ورائي من ميراث سينمائي، لا أدري ماذا يعني هذا؟ هل تظن شكسبير اكترث بذلك؟».
ربما كان «الياسمين الأزرق» خلاصة التحول الجذري الذي شهدته أفلام وودي آلن في السنوات الأخيرة بحيث يبدو كأنه رحلة من الداخل إلى الخارج. شخصية ياسمين وحلم الحياة المسطّحة المادية الذي تغرق فيه ليست بعيدة تماماً عن شخصيات وودي آلن القديمة التي تغرق في أفكارها وتساؤلاتها الوجودية. فكلّ منا ينسج وهمه الكبير، وسجنه الكبير ويعيش فيه سواء كان من ذهب أو من ورق. لكن في النهاية نتجه إلى المكان ذاته ولو على متن قطارات مختلفة كما يقول وودي آلن عن «الياسمين الأزرق». عندما يسأله محاور BBC عن فكرة النجاح أو الفشل في الحياة، يذكّره آلن بالمشهد الافتتاحي من فيلم «ذكريات غبار النجوم» (1980) المستوحى من فيلم «ثمانية ونصف» لفلليني. يركب الممثل (وودي آلن نفسه) القطار في الفيلم ويشاهد من نافذته ركاب القطار المقابل الذين يبدون أكثر سعادة ورفاهية بينما هو عالق مع ركاب فقراء وتعساء ويحارب ليترجّل من القطار الذي هو فيه ليصعد إلى الآخر. لكنه لا يستطيع إلى أن يصل القطاران والركاب المحظوظون والتعساء إلى نفس الوجهة، النهاية نفسها!