يتّكئ المخرج والروائي الأفغاني عتيق رحيمي (1962) في روايته «حَجر الصَّبر» (2008) التي انتقلت أخيراً إلى المكتبة العربية (دار الساقي ـــ ترجمة صالح الأشمر) على ميثولوجيا أفغانية متداولة، فحواها لجوء أصحاب المواجع إلى حَجر سحري يبثّونه أوجاعهم وأحزانهم وأسرارهم. وعندما يصلون إلى ذروة الأسى، ينفجر الحجر ويتفتت، فتزول الأحزان من صدورهم.

المرأة التي تروي حكايتها هنا تفترض أنّ زوجها المشلول بطلقة رصاصة في عنقه، أفقدته القدرة على النطق والحركة، هو حجر صبرها. ترتفع وتيرة الألم إلى درجة الغليان، لتفصح المرأة تدريجاً، في مونولوغ طويل عن عذابات وأشواق ورغبات جسدها، غير عابئة بالمحظورات. اعترافات جريئة عن تقلّبات حياتها، ولحظات الحب المسروقة، ونصيحة بائعة هوى لها بأن تشفي جسدها بالحب المحرّم «فالرجال الذين يلجأون إلى القتال، لا يعرفون كيف يمارسون الحبّ».

هكذا تتسرّب مأساة المرأة الأفغانية التي لا تملك اسماً، على مراحل. تتأرجح مشاعرها بين الحب والسخط والكراهية. الرجل المعلّق بين الحياة والموت بأنبوب كيس السيروم يصغي إلى أسرار زوجته نقطة نقطة، في غرفة بائسة، في أحد أحياء كابول العشوائية، فيما تنصت المرأة لأصوات الرصاص في الخارج، على وقع خرز سبّحتها وهي تردّد أدعية دينية، على أمل شفاء رجلها من غيبوبته. في المقابل، تبطن كراهية عميقة للرجال، إذ لا فرق بين والدها وزوجها، الأول رهن شقيقتها الصغرى لرجل في الأربعين بلعبة قمار خاسرة، والثاني أضاع عمره في الجهاد ضد أعداء وهميين في حرب عبثية مجنونة، وكان على المرأة أن تنتظره ثلاث سنوات، انشغل خلالها بالحرب، لتكتشف لاحقاً أنه عقيم وجلف ومتوحش. وها هي تخبره بأنها حملت من رجل آخر بابنتيها، كي تداري «فضيحته» أمام عائلته. وسط هذا الخواء والفراغ والضجر، تقتحم الغرفة عصابة من الجهاديين، بعدما أصبح الحيّ نقطة تماس بين الفصائل المتحاربة، بقصد النهب، لكنهم لا يجدون ما يستحق السرقة، عدا نسخة من القرآن، وخاتم زواج يخلعه أحدهم من إصبع الرجل المشلول، فيما هربت المرأة وابنتاها إلى حيّ آخر تقطنه عمتها. وحين عادت في اليوم التالي، وجدت الفوضى تعمّ الغرفة. عند هذا المنعطف، تزداد حدّة خوفها، وتراجع شريط حياتها مع هذا الرجل الذي لم يورثها غير مشاعر الحسرة والندم طوال عشر سنوات من الجحيم. مرّة أخرى، سيقتحم البيت رجل بعمامة سوداء ولحية كثّة وبندقية، فيما أخفت المرأة رجلها وراء الستارة. وحالما انتهى إطلاق النار حتى استعاد الرجل الغريب هدوءه، وصاح لشاب كان برفقته بأن يحرس المكان، ثم سأل المرأة عمّا تفعله في وحدتها، فأخبرته بأنها عاهرة. بصق في وجهها وغادر الغرفة حانقاً. تنهدت بارتياح وخاطبت زوجها من وراء الستارة «كنتُ مجبرة على أن أقول هذا الكلام، وإلا لكان اغتصبني». تتوالى اعترافات المرأة، طرداً مع ارتفاع وتيرة العنف في الخارج، وتنبش ما هو مخبوء من أسرارها، غير عابئة بردّة فعل زوجها المريض، رغم شكوكها، بأن صمته محاولة لاستدراجها نحو اعترافات أخرى، أكثر مرارةً. لكن هذه الريبة لم تمنعها من إقامة علاقة مع مرافق الرجل الملتحي الذي عاد وحيداً إلى بيتها لمعاشرتها مقابل المال وبعض الحاجيات التي كان يجلبها معه في زياراته الليلية. صمت الرجل ومكابدات المرأة تتناوب فوق الأنقاض، في مشهديات شعرية تنطوي على أسئلة شائكة عن الحب والرعب والرغبة: «هذا الصوت الذي ينبثق من حنجرتي، هو الصوت الكامن منذ آلاف السنين» تقول المرأة. يلجأ عتيق رحيمي إلى سردية مماثلة لما كانت تقوم به شهرزاد في ألف ليلة وليلة، لكن من ضفة مضادة. شهرزاد الأولى كانت تروي الحكايات كي تؤجل موتها، بينما شهرزاد الأخرى تستدعي الحكايات بقصد العودة من موتها، ذلك أنّ شمسها لم تبزغ طوال عمرها، هي المحكومة بالخسارات والعنف والحرمان. هكذا تستعيد جسدها وروحها من غيبوبتهما القسرية، كأن الحكاية هي منقذها من القنوط الذي يحيط بحياتها، الحكاية التي ستعيد إليها هويتها الممزّقة تحت وطأة الأعراف الذكورية الخشنة، والتعاويذ المزيّفة، وقوة الصبر.
لا أوكسجين في الغرفة. هناك خنجر معلّق على الحائط، وصورة لرجل في الثلاثين، وجسد رجل في غيبوبة، وتصاوير طيور مهاجرة تزيّن ستارة النافذة، وامرأة تحلم بأن تحرّك الطيور أجنحتها خارج هذا المكان الضيّق. وما إن تكتمل اعترافات المرأة حتى تفاجأ بيدٍ من خلفها تمسك بها «كان رجُلها هو الذي يمسك بها. لبثت بلا حراك. مصعوقة. فاغرة الفم، على كلمات معلّقة. ثم إن الرجل انتصب واقفاً على حين بغتة، كصخرة صلبة وجافة، رُفعت بحركة خاطفة، وحين لامس رأسها الخنجر، التقطته بيدها، وغرزته في قلب الرجل. جذبها إليه وضرب رأسها بالأرض مراراً، قبل أن يقصف رقبتها بحركة خاطفة. فتحت المرأة عينيها بهدوء. هبّت الريح وحرّكت أجنحة الطيور المهاجرة فوق جسدها». هل كان على الحكاية أن تنتهي هنا؟ ربما، فهناك شهرزادات أخريات ينبغي أن يروين حكايات صمتهنّ أيضاً.