كتب عتيق رحيمي روايته «حجر الصبر» باللغة الفرنسية مباشرة عام 2008، بعد مجموعة من الروايات المكتوبة باللغة الفارسية، وإذا بها تحصد جائزة «غونكور» الرفيعة (2008)، لينضم إلى نادي الفرنكوفونية بجدارة، فيما جالت رواياته الأخرى على عشرات اللغات العالمية. روايته الأولى «أرض ورماد» (2000)، وصف ساحر لوطن منهوب يرزح تحت وطأة الحرب، وقراءة في سحر الجنّة المفقودة، قبل أن تطأها البنادق والأحذية الخشنة والجنون، وإذا بها تتحوّل إلى مقبرة جماعية، وفخاخ للموت.


ولعل هذا البؤس هو ما قاد صاحب «ألف منزل للحلم والرعب» إلى الهجرة إلى فرنسا، لتحقيق حلمه الشخصي في الكتابة والسينما. في نصوصه، لن نجد مسافةً بين سرده الحكائي وسرده البصري، إذ حوّل روايتيه «أرض ورماد»، و«حجر الصّبر» إلى الشاشة الكبيرة، مأخوذاً برصيد ضخم من الأفلام التي شاهدها في سينمات بلاده، قبل خرابها، ومتكئاً على شعرية فذّة في رسم ملامح شخصياته وأمكنته، رغم الأوضاع الكارثية التي تلقي بثقلها على مصائر أبطاله المفجوعين على الدوام، كمحصلة لسنوات من العنف الهستيري. هكذا يستدعي الحكايات الشفوية من الموروث القديم لتأثيث فضائه الروائي والبصري، بما يشبه رثاءً لزمن آفل وسعيد لن يعود أبداً. أفغانستان الذاكرة لا تشبه أفغانستان الجديدة الغارقة في الدم والدمار والخوف. الكتابة والصورة بالنسبة إلى عتيق رحيمي هما تمارين على ترويض الألم، ونبش لمخزون قديم يستعيده بنبرة صوفية أخّاذة، في المقام الأول، تعويضاً عمّا افتقده. وها هو يعترف بأنه يزور أفغانستان اليوم لاستعادة صورتها القديمة قبل أن يتعاقب عليها الغزاة والحكومات الديكتاتورية، أو ما يسميه «اغتيال النوستالجيا». في كتابه «العودة الخيالية» (2005) الذي جمع بين الفوتوغرافيا واليوميات التي كتبها عن مدينة كابول التي عاد إليها، بعد 20 سنة في المنفى. يقول «قبل أن تأتي لتصوّر كابول، جاء قبلك مصورون كبار والتقطوا أروع الصّور، بالطبع صوّروا الجراح نفسها، لا أبحث عن الجمال، أبحث عمّا يعيد أحاسيس إنسان يشعر بالألم وهو يرى ويشاهد عن قرب ندوب هذه الجراح، في كلّ مرّة عندما نرى هذه الندوب التّي لا تندمل نعجز عن نسيان الألم، لذا لا تنسَ، هذه ندوبي أنا، ولهذا أنا أبحث عنها حتى لا أنسى». كانت كابول التي وجدها مجرد أطلال جنائزية، وأنقاض، وشوارع مهجورة، وحكايات أليمة. اكتفى بالتقاط خمسين صورة «بتواطؤ مع حنين الذاكرة المريضة». أغلق عدسة كاميرته القديمة، ثم مضى إلى منفاه.