تُعدّ «قضايا إسلامية معاصرة» من الدوريات الفصلية النادرة المعنية بالدين والحداثة. منذ صدور عددها الأول «إشكاليات الفكر السياسي الإسلامي»، قدمت المجلة التي يرأسها المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي مواد سجالية. في عام 2012، أصدر المعهد البابوي في روما كتابه السنوي (يصدر نهاية كل عام منذ 60 سنة) مختصاً بالمجلة. انتخب مجموعة من نصوصها في مختلف أعدادها، وترجمها الى الإيطالية والإنكليزية والفرنسية. عدّها أهمّ دورية عربية في تحديث التفكير الديني في العقدين الأخيرين، بعدما رصد موضوعاتها وقارنها مع مختلف المجلات الفكرية والثقافية العربية. على مدار عقد ونيف، تناولت الدورية مسائل شائكة؛ منها الإرهاب والعنف: من أين تستمد ثقافة تمجيد الموت مفاهيمها؟». تضع المجلة أولويات عدة؛ أهمها التحرر من سلطة السلف وبناء مجتمع مدني تعددي، وتبنّي رؤى تهدف الى مواكبة العصر، وتعميم الاجتهاد ليشمل حقول الموروث، ودراسة الدين والتراث في ضوء المناهج الحديثة للعلوم الإنسانية، والتثقيف على الحريات وحقوق الإنسان.


خصصت المجلة عددها المزدوج (53 – 54 شتاء/ ربيع 2013 _ مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد) لموضوع «الهرمنيوطيقا والمناهج الحديثة في تفسير النصوص الدينية» (جزء أول). قسّم العدد الى 4 محاور: حوارات، ودراسات، وأفكار للمناقشة ونقد كتب، علماً بأنّ الهرمنيوطيقا «عبارة عن نظرية في التأويل، وتأمّل فلسفي وتفكير فينومينولوجي حول نشاط عملي يتخذ طابع التفسير أو التأويل». (نحيل علي، محمد شوقي الزين، «مدخل إلى تاريخ التأويل الهرمنيوطيقا»، مجلة «التفاهم»). بعد كلمة رئيس التحرير عبد الجبار الرفاعي «دعوة للخلاص من نسيان الإنسان»، جاء الحوار مع الفيلسوف الإيراني محمد مجتهد شبستري. تركّز الحوار بشكل أساسي على قضية «الهرمنيوطيقا والتفسير الديني للعالم». أدلى صاحب «مدخل الى علم الكلام الجديد» بأفكار نقدية في إشكاليات تفسير النصوص التراثية وفهمها. اهتم شبستري أيضاً بدراسة اللاهوت المسيحي، وخصوصاً البروتستانتي. ركّز على علماء لاهوت أمثال الألماني باول تيليش (1886 _ 1965)، والسويسري كارل بارت (1886 _ 1968) وكذلك على الفكر الفلسفي لكل من إيمانويل كانط (1724 – 1804) وهانس غادامير (1900- 2002).
أوْلى الدراسات جاءت بقلم الباحثة التونسية إيمان المخينيني. قرأت نظرية القبض والبسط في الشريعة الإسلامية لدى المفكر الإيراني عبد الكريم سروش (1945). تتأسس على مبدأ مركزي قوامه أنّ المعرفة الدينية كغيرها من المعارف، خاضعة لحركة دائمة من التمدد والتقلص، وتتأثر بجملة من العوامل الخارجية الحافّة بها. وبالتالي، من المغالطة التحدث عن حقيقة ثابتة للشريعة، ما يعني وفق صاحب «بسط التجربة النبوية» أنّ الدين ثابت، لكن المعرفة الدينية متغيرة. لم تكتفِ المخينيني بتبيان مفاصل نظرية سروش، بل ساجلته وقدمت ملاحظات تقويميّة.
عالج محمد حسين الرفاعي نموذج التأويل في فهم الوجود المجتمعي، كما أرساها السوسيولوجي الألماني ماكس فيبر. حظي العلامة الجزائري محمد أركون (1928 – 2010) بمادتين: الأولى كتبتها أستاذة الفلسفة في الجامعة اللبنانية نايلة أبي نادر بعنوان «القرآن بين اللفظ والمعنى في نص محمد أركون». والثانية خطتها نورة بوحناش الأستاذة في جامعة «منتوري قسنطينة» (الجزائر). قاربت الإشكاليات التي عمل عليها صاحب «نقد العقل الإسلامي» التي يتقدمها إنجاز اللحظتين اللوثرية والكالفينية.
كرس العدد دراسة عن «منهج قراءة النص الديني لدى نصر حامد أبو زيد». درس الباحث الجزائري محمد بن سباع مواقف صاحب «مفهوم النص دراسة في علوم القرآن» تجاه الخطاب الديني المعاصر ومنهجه في قراءة النصوص الدينية، وخصوصاً النص القرآني مقروءاً وفق آلية هرمنيوطيقية.
الى جانب البعد التأويلي للدين والتراث الذي من شأنه إخراج الإسلام والمسلمين من الانسداد التاريخي، استعانت المجلة بعدّة الهرمنيوطيقا للإضاءة على الخطاب الصوفي، وعرّبت نصاً للفيلسوف الألماني فريدريك شلايرماخر (1768- 1834) الذي اعتبر التأويل علماً يهتم بطريقة الاشتغال على النصوص لكشف بنيتها الداخلية والمعرفية، والبحث عن الحقائق المضمرة فيها لأسباب تاريخية وأيديولوجية، ما يؤدي الى تأسيس تقنية في الفهم.
في دراسة «النظريات المعاصرة حول تكوّن مجموعة أسفار التوراة»، قارب القس عيسى دياب الفرضيات التي يُثيرها موضوع كتابة موسى للتوراة. استخدم منهجاً نقدياً تأويلياً مقارناً، قرأ فيه أهم النظريات التي عالجت هذا الموضوع الإشكالي، التقليدية منها والمعاصرة. وخلص إلى أنّ «النص نفسه يفصح عن تقاليد دينية مختلفة، وأجناس أدبية متنوعة مدموجة معاً بتوجيه محدد لأغراض لاهوتية».
تتميز «قضايا إسلامية معاصرة» بأفكارها المتخصصة والدقيقة والعميقة والجسورة في أزمنة الانغلاق اللاهوتي. تطرقت الى المسكوت عنه في الدين والتراث والثقافة. تستحق عن جدارة لقب أهم دورية في تحديث التفكير الديني.