لا يُصلح لبنان أحد. لم يصلحه كميل شمعون ولا فؤاد شهاب، ولا أصلحه «تدخّل» عبد الناصر أو حافظ الأسد. يستطيع الواحد من هؤلاء أن يترك عليه بصمة، سلباً أو إيجاباً، كحدّ أقصى. المتصرّفون الأجانب مرّوا به وبعدهم المندوبون السامون الفرنسيّون. ورؤساء جمهوريّة ما قبل الاستقلال. يأتي الرئيس بأحسن النيّات ويذهب بأسوأ اللعنات. لا أحد يُصلح لبنان.

واقعٌ أكبر من الحالمين ومن الثرثارين. لبنان مجموعة مكوّنات بعضها لا علاقة له ببعضها الآخر وقد يتناقض وإيّاه، ومع هذا تتعايش كلّها في ظلّ تسويةٍ قَبَليّة ابتكرتها الظروف القاهرة وصقلتها الدهور وبَلْوَرَتْها صيغةٌ سُمّيت تعايشاً وسُمّيت حضاريّة وهي بالفعل تعايش حضاري، ولو تخلّلته من حين إلى حين نوباتٌ همجيّة.
لبنان لا يصلحه أحد لأنّه كيانٌ فوضويّ يرفض فكرة الدولة. المتكلّمون على الدولة، وأنا منهم، يجهلون معنى لبنان ويجهلون معنى الدولة. إنّها عندهم حجّةٌ لشيءٍ آخر، لفظةٌ بلا مضمون، أو أنّ مضمونها غائم يرمز إلى مستحيل يُراد له أن يظلّ مستحيلاً أكثر ممّا يرمز إلى غايةٍ يُراد بلوغها بالفعل.
يحتاج لبنان إلى منظّمين لفوضاه ضمن الفوضى. إلى حُماةٍ حكماء لهذه الحريّة التي لا يعني وجود لبنان شيئاً بدونها. ندعوها حريّة وهي كذلك. بصرف النظر عن لابسيها وأشكالهم وإذا كانوا يستحقّونها. لقد استحقّوها بالممارسة التي غالباً ما كانت مجموعة من المخالفات وحتّى من الانحرافات. وأمام مَشاهدها الفظّة لطالما تمنّى كثيرون بيننا أن يجيئنا طاغية ويُعمِل في رقابنا السيف. وقد حصل هذا في الماضي وصار يقال «نيّال مَن له مرقد عنزة في جبل لبنان»، لكنّ الطبع عاد وغَلَب. لا الجزمة العثمانيّة نجحت ولا البرنيطة الفرنسيّة ولا الوهرة السوريّة. شعبٌ نمرودٌ لا القتل يقتله ولا الإرهاب يربّيه. يلتفّ ويراوغ أو يثور وينتحر أو يَسْكَر ويفرغ صدره.

■ ■ ■


هذه الخصوصيّة اللبنانيّة ذات ركنين الأول هو الفرديّة والآخر هو رفض الدولة ككائن أعلى ساحق وقبولها كوسيط مسالم فعّال بين مصالح القبائل. لا أحد يريد فعلاً بناء دولة بالمعنى الأوروبي في لبنان. ولا طبعاً على الطراز السوفياتي. السياسيّون الذين رفعوا لواء بناء الدولة أو إصلاح الدولة كانوا يقصدون «دولتهم» إذا تسلّموا مقدّراتها. كانوا يسوّقون لطغيان سيتغطّى باسم الدولة. لحكم قوّة (عضليّة أو عصبيّة أو هستيريّة) تستهوي المثاليّين في البداية قبل أن يحزموا حقائبهم مهاجرين بعد أسابيع من مباشرة «سلطاتها». العقد في لبنان هو بين قبائل فرحانة بأسلوب عيشها تتعشّق النجاح والبحبوحة والإنفاق، وسلطة تُظلّل كلّ هذا بعطفٍ أبويّ يُوازن بين الصرامةِ والتفهُّم والاستيعاب والتواطؤ.
هذا العقد يحتمل تطويراً هنا وتحديثاً هناك. بل يحتمل إدخال تغييراتٍ عصريّة كما فعل فؤاد شهاب بإنشاء بعض المؤسّسات الرقابيّة. ولعلّها كانت المحاولة الأجرأ. وبقيت في حدود انطلاقتها. بل ليتها بقيت في شغف انطلاقتها. وعندما أعلن بشير الجميّل نيّته «بناء دولة» هلّل كثيرون وبدأ الموظفون ينضبطون وما لبثوا أن راحوا يلعنون بشير في سرّهم.


هذا الكلام دعوة لتدارك الهذيان السياسي والإعلامي حول «لبنان الغد». يجب أن يفهم اللبنانيون أن معظم الخطاب السياسي الرسمي وغير الرسمي كلامُ جهلٍ أو غوغائيّة. ويجب أن يفهم الصادقون من السياسيّين أنّ الخدمة الوطنية الحقّة هي العمل على تمكين الناس من تنمية مواهبهم في إطارٍ مريح وطبقاً لطبائعهم العميقة الجذور ولشرايين تاريخهم وروح جغرافيّتهم لا تمثُّلاً بنظرياتِ فلاسفة كانت رؤاهم مستوحاة من مجتمعاتٍ أخرى مختلفة كليّاً روحاً وجسداً عن مجتمعنا. وليس في هذا الكلام تيئيس بل بالعكس محاولة لتدارك التيئيس الناجم عن دعوات زائفة لتطبيق شعارات فارغة غالباً ما لا تُعبّأ، حين تُعبّأ، إلّا بالفراغ أو الدم.





■ والكاتبة المميّزة؟

من غادة السمّان وليلى بعلبكي وليلى عسيران إلى حنان الشيخ وهدى بركات وعلويّة صبح ورشا الأمير وهدى أديب وجُمانة حدّاد وجنى فواز الحسن... استمرّ خطّ التحرّر النسائي وخطّ تفتّح المرأة الكتابي في تزامنٍ تلقائيّ. منذ بدأت مي زيادة في العشرينات من القرن الماضي ثورتها التحديثيّة في الأدب والحياة، مروراً بـ«الهاجمات» المصريّات وفي طليعتهنّ نوال السعداوي، لم تفتر للمرأة العربيّة همّة. خالدة سعيد وسلمى الخضراء الجيوسي ويمنى العيد في الدراسة والنقد، وزهيدة درويش جبور وهند أديب دورليان ومارلين كنعان _ والكلام شبه محصور في لبنان. نور سلمان في الوجدان. هدى النعماني في الشعر الصوفي والرسم التجريبي. إميلي نصرالله ومي منسّى في الرهافة. ندى الحاج في نشوة النور. سوزان عليوان... والطالعات اليوم...
من موضوعة للكتابة إلى واضعة. يقال إنّ الكاتب المميّز يتضمّن بعض امرأة، على الأقل في الشعور والحدس. والكاتبة المميّزة؟ مع توسيع الرؤية ربما نستطيع القول إنّ الكائن الأشمل هو المتضمّن من الجنس الآخر الصفات التي تُقلّص لا نسبة الفَرْق بين الجنسين وإنما نسبة النقص عند كلّ منهما ممّا يزيد رغبة الآخر فيه، دون مساس بجوهر
الفرق.





■ مشروع خَلْق
كلّما ألّف أحدهم شيئاً يفوقه أحسستُ بالخوف عليه. لقد بات أدنى من صنيعه. إلى أن آلف صنيعه فيعود هو احتمال خَلْق، فيعاودني «انتظاره».
المرء ضئيل ما لم يكن مشروع خَلْق.





■ مشاركة
كان من أحلامي أن أتقن عشرات اللغات. لغة مغلقة باب مغلق. لكنّ حظي لم يشأ لي غير العربيّة والفرنسيّة. قرّروا لنا في المعهد ساعات للإنكليزيّة، غير أنّي كنتُ منحازاً إلى الفرنسيّة.
شراهةُ المعرفة أحد آثامي. وأكثر منها رغبةُ أن يشاركني الآخرون شغفي. لا الآخرون وحدهم بل الأشياء المحسوسة وغير المحسوسة. الهواء...
أتعاطف مع الفنّانين من هذه الناحية كثيراً. لعلّهم أحوج مَن يكون إلى المشاركة. الممثّل والممثّلة مشاركتهما في دورهما والمغنّي والمغنّية مشاركتهما في انتظار المشاركة.
لا يكسر الوحدة غير هذه.





■ دعاء
احمني من مُبْصري أخطائي أقلّ منّي
ومن مالكي عتماتهم والمتحكّمين بمصابيحهم
وممّن يكذبون على الأولاد
وممّن أحببتُهم وممّن أرادوا أن أحبّهم
واحمهم منّي
من خيري كما من شرّي فلستُ دائماً أُحسنُ التمييز
ولا تتساهل مع تضخّم أناي
ولفلف نظري بالغيم المشمس
ولا تحرم أعماقي ذلك النغم
الكامن فيها كسِلْك الذهب الخفيّ في طيّات التراب.




وديع الصافي


غنّى وديع الصافي بدائع من تلحينه ولكن يبقى أجمل ما غنّى من تلحين الأخوين رحباني. في «موسم العز» مع صباح وفي «سهرة حب» و«قصيدة حب» مع فيروز. حواراته ومواويله وأغانيه الانفراديّة تيجان على رأس الأغنية اللبنانية.
ليست هذه أوّل مرّة أسجّل الملاحظة المذكورة. لطالما كتبت، سواء تحت اسمي أو تحت اسم مستعار، مناشداً وديع الصافي الذي خسرناه قبل أيام أن يسعى إلى ألحان الرحبانيّين والرحبانيّين أن يسعيا إلى وديع الصافي، ولكن دون طائل. لا أعرف مَن المسؤول.
تلك أقدارٌ ناقصة، مكسورة، ولا تُعوّض.
ليسمع السامعون كلّ وديع الصافي، أعاجيب لا تُمَلّ. صوتٌ هيهات أن يتكرّر. صوتٌ أنهضنا في الويلات ويقوّي فينا الأمل بالحياة بعد الموت.