القاهرة | أربعون عاماً على رحيل طه حسين (15/11/1889 ـــ 28/10/ 1973). كم يبدو الرقم بعيداً جداً عما تعيشه مصر الآن. هذا البلد الذي قدم له «عميد الأدب العربي» أكثر من وصفة للخلاص، والنتيجة لحظة احتقان مجتمعي وأزمات سياسية وفكرية وصلت الى حد إنكار طه حسين أو تغييبه. لا أحد في مصر يتذكّر طه حسين في هذه المناسبة. المفارقة بالغة القسوة، ولا سيما في تلك العتمة المصرية الباهرة التي تتزايد فيها الحاجة للعودة إلى تراث صاحب كتاب «الأيام»، لكن كيف نراجع هذا المنجز الذي يصعب تلخيصه؟


تقول الأسطورة اليومية في مصر إنّ صورة الكاتب لدى المواطن المصري البسيط تتلخّص في نموذجين: الأول هو طه حسين والثاني نجيب محفوظ. في حين يعطي العميد العلامة التي تؤكد قيمة المواجهة، يركز النموذج الثاني على البناء التراكمي والتصالح مع المجتمع أكثر من الاصطدام به. وإذا كان الأول رغب ـــ بحكم ظرفه التاريخي ـــ أن يكون موسوعياً يعطي في أكثر من مجال وانتهى مكرساً عميداً للأدب العربي، فقد اختار الثاني أن يعطي في مجال الرواية ويخلص لها حتى أيامه الأخيرة، فكوفئ بجائزة «نوبل» للآداب. اللافت أنّ النموذجين كانا هدفاً لانتقادات الإسلاميين. اتهم الأوّل بالكفر بسبب كتابه «في الشعر الجاهلي»، وظل بقية حياته يعمل على ابتكار صيغ للمواءمة بين مجتمعه المحافظ ونزعته التحررية، بينما تلقّى الثاني طعنة من شاب متطرف رأى أنّ أدبه الذي لا يعرفه، يعادي الإسلام ويحرّض على الرذيلة.
لكن ما يعني المواطن البسيط في صورة طه حسين معنى يبدو أكثر إغراءً يرتبط بفكرة مقاومة «العمى» والعوز الاجتماعي، وتأكيد فكرة المثقف العصامي المركزية في سيرته «الأيام» (1929) التي يصعب قراءتها بمعزل عن المسار الذي عاشه المجتمع المصري في القرن العشرين حين بدا أنّ النخبة منقسمة بين تيارين: الأول يربط نفسه بإرث الشيخ محمد عبده ويرغب في ربط المجتمع بمفهوم ملتبس عن الهوية الإسلامية، وتيار ثان يربط نفسه بالثقافة الغربية ويرغب في تحرير بلاده من الاستعمار، لكنه لا يمانع الامتثال للنموذج الغربي في التحديث. تعطي تجربة صاحب «أشواك» صورة نموذجية عن مثقف قضى 80 عاماً يحلم بربط المسارين، لكنّ مأزقه ـــ كما لخّصه الشاعر صلاح عبد الصبور ـــ جاء من وراء هذا السعي بعدما وضع قدماً في الأزهر الشريف وأخرى في باريس. من المؤسف أنه لم يستطع أن يخطو بالقدمين معاً. اللافت أيضاً أنّ الثقافة المصرية بعد قرن كامل تسير عرجاء على هذين العكازين أو «المسارين». لم يعطّل هذا المأزق العميد عن استكمال مشروعه الفكري الذي اختاره انطلاقاً من ولعه بالنموذج الغربي الذي كرس صوراً للمثقف الموسوعي قبل عصور التخصص. الى جانب ثقافته العربية التراثية التقليدية، أعطى في مجالات متعددة شملت الشعر والقصة والرواية والكتابة في التاريخ الإسلامي بخلاف اشتغاله على ترجمة الكلاسيكيات اليونانية لتثبيت دعائم الدراسات الكلاسيكية في مصر. يصعب التأكيد على تميّز «العميد» في كل تلك المجالات، فأسلوبه الأدبي كروائي ـــ كما لاحظ الدارسون لنصوصه ـــ كان أكثر تأثراً بالبلاغة الأزهرية، فيما كانت أفكاره تحلّق في سموات باريس. وربما لذلك لم يعد أدب العميد موضوعاً للتداول، فكتاباته الأدبيّة صامدة في «الأرشيف» من دون إعادة فحص أو تداول عام باستثناء «الأيام» و«أديب» بسبب تناوله المبكر لقصة علاقة المثقف العربي بالغرب، وهي الثيمة التي تواصلت مع الطيب صالح، وسهيل ادريس، وحتى جيل علاء الأسواني وخالد البري والحبيب السالمي. في المقابل، واجهت نصوصه الأدبية الأخرى أحكاماً صادمة من جيل المبدعين اللاحق له. وُصفت قصة «الحب الضائع» التي تحوّلت إلى فيلم شهير بأنّها «رومانتيكية ذابلة». ظل الإنتاج العقلي للعميد هو الأكثر إغراءً بفضل ما حواه من أفكار سجالية تقدمية، سواء بالقياس لعصره أو لعصرنا. لذلك يعاد طبعها وقرصنتها في تنافس محموم بين دور النشر، سواء الحكومية أو الخاصة. استطاع أن يضرب أوّل معاول الهدم في التراث الغيبي في ثقافتنا العربية، منطلقاً من مبدأ الشك الديكارتي ليخلخل أحكاماً كانت أقرب الى مقدسات تحول دون النظر العقلي في هذا التراث. لقد استطاع تغيير صورة دارس التراث وخلق النموذج المستنير الساخر من جمود الأزهريين الراغبين في احتكار هذه المعرفة. أكثر من ذلك، كان أكثر مثقفي جيله استعداداً لدفع الثمن ومواجهة الاستبداد الفكري كما تجلى في أزمات متعددة واجهت نصوصه، بدءاً من «في الشعر الجاهلي»، مروراً بـ«المعذبون في الأرض»، وصولاً الى «الفتنة الكبرى» الذي لا يزال موضوع تحفظ في أقطار عربية عديدة بسبب تناوله النقدي لـ«وقائع الفتنة الكبرى».
لكنّ نصه الأكثر شعبية في مصر هو كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» الذي صدر عام 1938 وكان في بداياته مجرد تقرير رفعه العميد إلى وزارة المعارف (التعليم حالياً) وتضمّن نصاً وُصف بأوّل نصّ للسياسات التعليمية والتربوية في مصر، وقد استلهم منه خبراته التي عايشها خلال توليه مسؤولية وزارة المعارف في حكومة «الوفد» (1950). حققت الوزارة مجانية التعليم للمصريين حتى المرحلة الثانوية تطبيقاً لشعاره الشهير «التعليم كالماء والهواء». شعار تلقفه نظام يوليو وسعى الى تطبيقه بطريقة أفادت منها الطبقات الفقيرة التي اعتبرت طه حسين صوتاً ممثلاً لها. لكن مع توغّل رجال يوليو في السلطة، لم تعد ثمة حاجة إلى وجود العميد الذي حظي بتكريم بالغ في بدايات الثورة، ثم هُُمِّش على نحو واضح في السنوات العشر الأخيرة التي سبقت رحيله. إشكالية تحتاج الى تفسير، لكنّها مناسبة للسؤال عن مدى قدرة نظام عبد الناصر على استيعاب مثقف كطه حسين ابن حقبة التعددية الفكرية. وبعيداً عن هذا السؤال السياسي، تظل المشكلة في هذا الكتاب الإشكالي هي تصوّر طه حسين لهوية مصر. انتهى الى نتيجة لا تزال تثير التساؤل. تأثراً بمعلمه أو «معلم الجيل» أحمد لطفي السيد، انتهى الى إخراج مصر من الدائرة العربية والإسلامية، معتبراً أنّ العقلية المصرية غربية متوسطية. والغريب أنّ ثمة مَن يحاول اليوم إعادة الروح لهذه الفكرة نتيجة الأثمان التي دفعتها مصر خلال عام من حكم القوى التي اختزلت هويتها في تلك الإسلامية فقط، وهو اختزال يقابل اليوم باختزال مضاد يعمّق التناقض الذي عانى منه جيل طه حسين من دون السعي إلى حلّه.